من شقق اجتماعية إلى حسابات محجوزة… حين تحوّل دعم السكن من امتياز اجتماعي إلى اختبار للامتثال

الرباط: ريم بنكرة

عرف ملف السكن المدعم في المغرب خلال الفترة الأخيرة تحوّلاً لافتاً في فلسفة التعاطي العمومي معه، إذ انتقلت الدولة من منطق التحفيز والتيسير، الذي طبع سنوات إطلاق هذه البرامج، إلى منطق الصرامة والمساءلة، في محاولة لإعادة ضبط بوصلة الدعم الاجتماعي التي انحرفت عن أهدافها الأصلية. هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن المقارنة بين مرحلتين: مرحلة ساد فيها التساهل وغض الطرف، ومرحلة جديدة عنوانها المراقبة، واسترجاع الامتيازات، بل والحجز على الحسابات البنكية عند الاقتضاء.

في المرحلة الأولى، جرى التعامل مع السكن المدعم باعتباره رافعة اجتماعية لتيسير الولوج إلى السكن لفئات محدودة الدخل، مع اعتماد آليات تحفيزية، أبرزها الإعفاءات الضريبية والدعم غير المباشر للمنعشين والمستفيدين. غير أن هذا النموذج، ورغم نجاحه النسبي في تقليص العجز السكني، أفرز اختلالات بنيوية، حيث تحوّل جزء من هذا السكن من حل اجتماعي إلى أداة للمضاربة والاستثمار غير المشروع، في ظل ضعف المراقبة وغياب الردع.

اليوم، يبدو أن الدولة قررت قلب المعادلة. فالحملات الميدانية المنسقة بين وزارة الداخلية والإدارة الضريبية تعكس انتقالاً واضحاً نحو تفعيل الرقابة البعدية، من خلال رصد الشقق المغلقة، أو غير المأهولة فعلياً، أو المؤجرة خارج الإطار القانوني. وهي ممارسات تكشف، بالمقارنة مع الأهداف المعلنة للبرامج، عن فجوة عميقة بين النص والواقع، وعن استغلال الدعم العمومي لتحقيق مكاسب فردية على حساب العدالة الاجتماعية.

المقاربة الجديدة لا تتوقف عند حدود المعاينة، بل تمتد إلى تفعيل آليات الاسترجاع الزجري، عبر إلغاء الإعفاءات الضريبية، والمطالبة بأداء الضريبة على القيمة المضافة مرفقة بغرامات قد تصل إلى 15 في المائة، وصولاً إلى التنفيذ الجبري والحجز على الأرصدة البنكية. وهو تطور نوعي يعكس تحوّل الدولة من موقع المتسامح إلى موقع الحازم، في رسالة مفادها أن الدعم ليس حقاً مكتسباً، بل التزام تعاقدي مشروط بالامتثال.

وبينما كان بعض المستفيدين، في السابق، يراهنون على ضعف المراقبة للاحتفاظ بالشقق فارغة في انتظار ارتفاع الأسعار، أو تأجيرها بطرق ملتوية، فإن التعديلات القانونية الأخيرة، خصوصاً تلك المرتبطة بإثبات رفع اليد عن الرهن لفائدة الدولة قبل أي تفويت، توحي بإغلاق المنافذ التي استُعملت للتحايل. كما أن ربط هذه الإجراءات بمقتضيات قانون المالية لسنة 2026 يؤكد أن الأمر لا يتعلق بحملة عابرة، بل بتوجه استراتيجي طويل النفس.

المقارنة بين الأمس واليوم تبرز بوضوح أن الدولة لم تعد مستعدة لتحمّل كلفة اجتماعية ومالية لدعم يُفرغ من محتواه. غير أن هذا التحول، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يطرح في المقابل سؤال التوازن بين الردع والإنصاف، خاصة في حالات قد تتداخل فيها المخالفات المتعمدة مع أوضاع اجتماعية هشة أو إكراهات واقعية.

فنجاح هذه السياسة لن يقاس فقط بعدد الحسابات المحجوزة، بل بقدرتها على إعادة الاعتبار لفكرة السكن المدعم كحق اجتماعي موجّه فعلاً لمن يستحقه، لا كفرصة ربح مقنّعة تحت غطاء الدعم العمومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى