
قرار تسقيف أسعار السكر يعيد رسم توازن السوق بين حماية المستهلك وهوامش الربح
الرباط: ريم بنكرة
مع بداية السنة الجديدة، عاد السكر ليحتل صدارة النقاش الاقتصادي والاجتماعي، ليس بسبب ندرته أو ارتفاع صادم في أسعاره، بل بفعل قرار حكومي اختار التدخل المباشر لإعادة ضبط قواعد اللعب داخل سوق يُعد من أكثر الأسواق حساسية في معيش المواطن. فابتداءً من فاتح يناير، دخل قرار وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، حيز التنفيذ، محددًا أسعار البيع وهوامش الربح القصوى للسكر المصفى في جميع مراحل التسويق، في خطوة تعكس توازنًا دقيقًا بين منطق السوق وهاجس الاستقرار الاجتماعي.
القرار الجديد لا يأتي من فراغ، بل يُعد تحيينًا لنص يعود إلى سنة 2006، ما يكشف أن الدولة اختارت المقارنة بين معطيات زمنين اقتصاديين مختلفين: مرحلة كانت فيها تكاليف الإنتاج والطاقة أقل، وسياق حالي يتسم بضغط التضخم وتقلبات الأسواق الدولية. هذا التحول الزمني فرض إعادة النظر في الأسعار القصوى، ليس فقط من حيث القيمة، بل أيضًا وفق كيفية العرض ونوع التعبئة، وهو ما يعكس مقاربة أكثر دقة وواقعية.
ومن خلال قراءة الأرقام، يظهر بوضوح أن السكر الصلب الموجه للاستهلاك التقليدي حظي بسقف سعري أعلى نسبيًا مقارنة بالسكر المحبب، إذ حُدد ثمن الكيلوغرام في أكثر من 5.14 دراهم عند الخروج من المصنع، مقابل أسعار تقل عن ذلك بالنسبة لـ“السانيدة”. هذه المقارنة تعكس من جهة اختلاف كلفة التحويل والتعبئة، ومن جهة أخرى محاولة الحفاظ على توازن الطلب بين أنماط الاستهلاك المختلفة، خاصة داخل الأسر المغربية.
في المقابل، يبرز منطق “اقتصاد الحجم” بوضوح في السكر المحبب، حيث تنخفض الأسعار كلما ارتفع وزن العبوة، إذ لا يتجاوز سعر الكيلوغرام في الأكياس الكبيرة 4.23 دراهم، مقابل أكثر من 4.33 دراهم في الأكياس الصغيرة. هنا، يبدو القرار وكأنه يوجه المستهلك، بشكل غير مباشر، نحو الخيارات الأقل كلفة، وفي الآن نفسه يمنح المصنعين والتجار هامشًا مضبوطًا يحد من المضاربات.
اللافت في هذا القرار هو اعتماده على ترسانة قانونية متكاملة، من قانون المالية إلى قوانين حرية الأسعار والمنافسة، مرورًا باستشارة اللجنة المشتركة بين الوزارات للأسعار. هذا المسار المؤسساتي يضفي على القرار طابعًا توافقيًا، ويؤكد أن التدخل في سوق السكر ليس إجراءً ظرفيًا، بل خيارًا منظمًا يروم تحقيق توازن بين حرية السوق وحماية المستهلك.
في المحصلة، يعكس هذا القرار مقارنة واضحة بين خيار ترك الأسعار لمنطق العرض والطلب، وخيار التدخل المنظم لضبط سوق استراتيجية. وبينما قد يرى البعض فيه تقييدًا لهوامش الربح، يراه آخرون صمام أمان يحول دون انفلات الأسعار ويحصن القدرة الشرائية. وهكذا، يجد السكر نفسه مرة أخرى في قلب معادلة دقيقة: سلعة بسيطة في ظاهرها، لكنها محملة برهانات اقتصادية واجتماعية أكبر من مذاقها الحلو.





