المغرب يُعيد تشكيل خريطة الطاقة: بين فاتورة الاستيراد الباهظة وحلم السيادة المعدنية

الرباط: إستثمار

في ظلّ فاتورة طاقية خانقة وضغوط جيو-سياسية متصاعدة، تخطو المغرب نحو تحول استراتيجي جريء، يجسد رغبة الدولة في التحكم بمقدراتها من خلال تحويل المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن إلى شركة مساهمة. لا يمثل هذا القرار مجرد إجراء إداري تقليدي، بل هو إطار “غير تقليدي” – بحسب تعبير الوزيرة ليلى بنعلي – يعكس إرادة سياسية جامحة لقلب صفحة التبعية الطاقية، خاصة تجاه الجوار الشرقي والشمالي.

ترتكز فلسفة هذا التحول على منطق مزدوج: داخلياً، لمواجهة ارتفاع كلفة الطاقة وهشاشة التزويد التي تعاني منها مناطق عديدة، وخارجياً، لخوض معركة التنافسية العالمية على الثروات المعدنية. وهنا تبرز المقارنة الذكية التي أوردتها المسؤولة بين مستقبل القطاع المعدني ونهج المكتب الشريف للفوسفاط، الذي تحول من مؤسسة عمومية إلى شركة مساهمة تنافس كبار المنتجين عالمياً. تُقدّم هذه المقارنة نموذجاً ناجحاً يحتذى به، حيث لا تعني الشراكة أو الانفتاح الاستثماري التفريط في السيادة، بل هي آلية لتأهيل القطاع وضمان فاعليته.

أما على صعيد السيادة الطاقية فتستحضر التجربة المغربية درساً عميقاً من أزمة الغاز خلال الحرب الأوكرانية. فخط الأنبوب المغاربي-الأوروبي، الذي أصبح تحت السيادة المغربية منذ 2021، تحول من مجرد بنية تحتية إلى درع واقٍ حمى البلاد من ضغوط دولية وحافظ على استمرارية النشاط الصناعي وآلاف الوظائف. هذا النجاح العملي يقدم سردية مقنعة ترد على مخاوف “الخوصصة” المُحتملة؛ فالدولة – كما تؤكد بنعلي – لن “تسلم مفاتيح السيادة الطاقية لدولة أخرى”، بل ستستخدم أدوات السوق والقانون لتعزيز هذه السيادة.

بالتالي، يظهر المشروع ليس كقطيعة مع دور الدولة، بل كإعادة تعريف لهذا الدور في عالم معقد. فالدولة تنتقل من موقع المشغل المباشر – الذي قد يكون مقيداً بيروقراطياً – إلى موقع الضامن الاستراتيجي والمُنظم الذكي الذي يجذب الكفاءات ورؤوس الأموال مع حراسة البوابات الوطنية. الهدف المعلن هو ثلاثي: حماية المستهلك من التكاليف الباهظة، ورفع كفاءة التدبير، وترسيخ الحق في بيئة سليمة وتنمية مستدامة.

ختاماً، يضع المغرب نفسه على مفترق طرق تاريخي. فمساره الجديد لا يندرج تحت منطق “الاستسلام” لسياسات التحرير الاقتصادي العمياء، ولا يكرس لجمود المؤسسات العمومية التقليدية. إنه مسار وسطي طموح يحاول نسج خيوط السيادة الوطنية بآليات السوق التنافسية، محولاً التحديات الطاقية والمعدنية إلى رافعة للتنمية والسيادة في آن معاً. نجاح هذا النموذج لن يُقاس فقط بانخفاض الفاتورة الطاقية، بل بقدرة المغرب على التحول من دولة مستوردة للطاقة إلى فاعل إقليمي وصانع لأسواق المعادن، حاملاً معه لقب “الدولة الرائدة مناخياً” من حيز الشعار إلى حيز التمكين الاقتصادي الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى