قراءة في البلاغ الملكي حول الكان: الرياضة بين التنافس والاختيار الاستراتيجي الإفريقي

بقلم: الدكتور عبد العالي بنلياس
استاذ القانون بكلية الحقوق السويسي

شكّلت الرسالة الملكية الأولى الموجهة إلى الفريق الوطني لحظة اعتراف رسمي بالمسار الإيجابي الذي بصم عليه المنتخب المغربي خلال دورة كأس إفريقيا للأمم، بعدما بلغ المباراة النهائية، وهو إنجاز يعيد إلى الأذهان مشاركة تونس سنة 2004. وقد أكدت الرسالة، في بعدها الرمزي، أن المنافسات الكروية تظل في جوهرها فضاءً للفرجة والمتعة، تحكمه قواعد التنافس الرياضي حيث يكون الفوز والخسارة احتمالين طبيعيين لا ينفصلان عن روح اللعبة.

وجاء الاستقبال الذي خصّ به صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد عناصر المنتخب الوطني ليترجم هذا التقدير على أرض الواقع، ويوفّر دعماً معنوياً مباشراً للاعبين، تثميناً لما حققوه من إنجاز رياضي يعكس تطور كرة القدم الوطنية ومكانتها القارية.

غير أن بلاغ الديوان الملكي تجاوز منطق التنويه الرياضي ليضع هذه الدورة في سياقها الأشمل، باعتبارها محطة قارية لم تكن مسؤولية الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أو القطاعات الحكومية وحدها، بل كانت ثمرة انخراط جماعي واسع لمختلف مكونات الأمة المغربية. فقد ساهم المواطنون، نساءً ورجالاً، شباباً وأطفالاً وشيوخاً، في إنجاح هذه التظاهرة، عبر صورة حضارية عكست شغف المغاربة بكرة القدم، وروّجت لقيم الإخاء والتقارب بين الجماهير الإفريقية. وهو ما جعل هذه الدورة، بشهادة المتابعين والمختصين، ووفق الأرقام المسجلة، حدثاً تاريخياً وغير مسبوق في سجل المنافسات القارية.

وفي هذا السياق، أبرز البلاغ أن النتائج التي يحققها الفريق الوطني، إلى جانب ترتيبه العالمي المتقدم، تضعه ضمن نخبة المنتخبات على الصعيدين القاري والدولي. وهو تفوق لم يكن وليد الصدفة أو ضربة حظ، بل حصيلة اختيارات استراتيجية وإرادة سياسية واضحة، استثمر من خلالها المغرب في تطوير بنيته التحتية الرياضية، بما أتاح إنتاج وصقل المواهب الكروية وتغذية المنتخب بلاعبين محترفين من الطراز العالمي، إلى جانب كفاءات مغاربة العالم، في نموذج يعكس التكامل والنجاعة.

ولم يغفل بلاغ الديوان الملكي الإشارة إلى ما رافق الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية من أحداث محدودة، وُصفت بأنها عابرة ومحصورة في الزمان والمكان، وجاءت في لحظة غلبت فيها العاطفة والاندفاع. وأكد البلاغ أن هذه الوقائع لا يمكن أن تؤثر في الاختيارات الاستراتيجية الثابتة للمغرب، القائمة على تعزيز روابط الأخوة والتعاون والتضامن بين الشعوب الإفريقية.
كما شدد البلاغ على أن محاولات التشويش والتشهير التي صاحبت هذه التظاهرة الرياضية تقف وراءها جهات معادية للمغرب، دأبت على استهداف صورته وبث خطاب الكراهية والفتنة.

وهو خطاب مرفوض ولا يجد له صدى داخل المجتمع المغربي، الذي تشكل قيم التسامح والتعايش والإخاء ركائز راسخة في هويته، ومتجذرة تاريخياً في علاقاته مع الشعوب الإفريقية.
وفي دلالته العميقة، أعاد البلاغ التأكيد على أن المغرب جزء لا يتجزأ من إفريقيا، وأن إفريقيا تشكل امتداداً طبيعياً له، مجدداً التزام المملكة بمواصلة العمل من أجل تنمية القارة وازدهارها، عبر التعاون والتضامن وتقاسم الخبرات والتجارب.

وهي اختيارات استراتيجية ثابتة تعكس رؤية طويلة الأمد، تهدف إلى تشبيك الروابط وتعزيز الشراكات بين البلدان الإفريقية على أسس من الاحترام المتبادل والمصير المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى