من هيمنة الفرنسية إلى أفق الإنجليزية: هل يعيد المغرب رسم خريطته اللغوية الجامعية؟

الرباط: إدريس بنمسعود

في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها التعليم العالي بالمغرب، عاد النقاش حول اللغات إلى واجهة الجدل العمومي، هذه المرة من زاوية استراتيجية: هل يتجه المغرب فعلاً نحو ترسيخ الإنجليزية كلغة ثانية بدل الفرنسية داخل الجامعة؟ سؤال لم يعد ترفاً فكرياً بل أصبح مرتبطاً مباشرة برهانات البحث العلمي، وقابلية تشغيل الخريجين، وموقع المغرب داخل اقتصاد المعرفة العالمي.

في هذا السياق، قدّم عز الدين ميداوي وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ملامح الرؤية الرسمية للدولة بخصوص السياسة اللغوية الجامعية، مؤكداً أن الرفع من القدرات اللغوية للطلبة ليس إجراءً ظرفياً أو استجابة آنية للضغوط، بل خيار استراتيجي مؤطر بالقانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. هذا التأكيد يعكس انتقال النقاش من منطق التدبير الآني إلى منطق التخطيط البنيوي طويل النفس.

اللافت في خطاب الوزير هو توصيفه الصريح للإنجليزية بوصفها “لغة العلم والبحث العلمي”، وهو توصيف لا يخلو من دلالات مقارنة، خاصة إذا ما قورن بالمكانة التقليدية التي احتلتها الفرنسية لعقود داخل الجامعة المغربية. فبينما ارتبطت الفرنسية تاريخياً بالإدارة والتعليم العالي، باتت الإنجليزية اليوم بوابة العبور نحو الإنتاج العلمي العالمي، وقواعد البيانات الدولية، وشبكات البحث العابرة للحدود.

ولتجسيد هذه الرؤية، راهنت الوزارة على مقاربة متعددة الأبعاد، تمزج بين الإصلاح البيداغوجي والابتكار الرقمي، ويتصدرها إطلاق المنصة الوطنية لتعلم اللغات. هذه المنصة، التي أثارت نقاشاً داخل البرلمان، اعتبرها ميداوي إنجازاً سيادياً بامتياز، ليس فقط لأنها أول منصة مغربية خالصة من حيث التصميم والتطوير، بل لأنها تعكس إرادة فك الارتباط التدريجي مع الحلول المستوردة في مجال حيوي كالتكوين اللغوي.

تتيح المنصة تعلم خمس لغات: العربية، الأمازيغية، الفرنسية، الإسبانية، والإنجليزية، وهو ما يعكس مقاربة تعددية تحاول التوفيق بين الانفتاح على اللغات العالمية والحفاظ على مكانة اللغات الوطنية. غير أن هذا التعدد، رغم إيجابيته، يطرح سؤال الأولويات: هل نحن أمام توازن لغوي فعلي، أم أمام انتقال ناعم نحو مركزية الإنجليزية؟

الإجراءات البيداغوجية المصاحبة تعزز هذا الطرح؛ إذ تم اعتماد برمجة وحدات معرفية بلغات غير لغة التدريس، بما يسمح للطلبة بتقوية كفاياتهم اللغوية حسب مساراتهم. فالطلبة الذين يدرسون بالفرنسية يُفتح أمامهم أفق الإنجليزية، بينما يُمكَّن طلبة المسالك العربية من تعلم الفرنسية أو الإنجليزية، خصوصاً في السداسيات المتقدمة. كما أن حصر تدريس الفرنسية أساساً في السداسيين الأولين، مقابل توسيع حضور الإنجليزية في باقي المسار، يوحي بتحول تدريجي في سلم الأولويات اللغوية.

في المقابل، تحرص الوزارة على التأكيد بأن هذا التحول لا يعني تهميش اللغات الوطنية، بدليل إلزام دفتر الضوابط البيداغوجية الجديد بتدريس وحدة معرفية باللغة العربية حتى في المسالك المعتمدة على لغات أجنبية. وهو توازن دقيق بين مقتضيات الهوية ومتطلبات العولمة العلمية.

داخل البرلمان، تباينت القراءات السياسية لهذا الورش. فبينما نبه الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية إلى بطء تنزيل بعض مقتضيات القانون الإطار، خاصة ما يتعلق بالإطار المرجعي الوطني لتدريس اللغات وغياب آليات تنظيمية واضحة، اختار فريق الأصالة والمعاصرة تثمين التوجه العام، مع الدعوة إلى ضمان إدماج فعلي للمنصة الوطنية داخل المسارات الجامعية وتحيين محتواها حتى لا تظل مجرد واجهة رقمية.

وفي تعقيبه، اعتمد ميداوي لهجة واقعية، محذراً من الأوهام الإصلاحية السريعة، ومؤكداً أن اختلالات لغوية تراكمت على مدى اثني عشر عاماً من التمدرس لا يمكن معالجتها في سنوات جامعية محدودة. الإصلاح اللغوي، في نظره، مسار تراكمي يتطلب نفساً طويلاً، واستمرارية في السياسات، وتكاملًا بين مختلف أسلاك التعليم.

خلاصة القول، لا يبدو أن المغرب بصدد القطيعة مع الفرنسية بقدر ما يسعى إلى إعادة ترتيب أدوار اللغات داخل الجامعة. غير أن المؤشرات المتراكمة تؤكد أن الإنجليزية لم تعد لغة إضافية، بل مرشحة لأن تصبح اللغة الثانية الفعلية للمعرفة والبحث العلمي. انتقال هادئ، لكنه عميق، قد يعيد رسم الخريطة اللغوية للتعليم العالي المغربي في السنوات القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى