المغرب في مرآة التقدم الاجتماعي العالمي: تحسّن نسبي وسط سباق دولي غير متكافئ

الرباط: نارمان بنمسعود

كشف تصنيف التقدم الاجتماعي العالمي لسنة 2026، الصادر عن مؤسسة “دوشل بروغريس إمبيراتيفز”، عن حلول المملكة المغربية في المرتبة 99 من أصل 171 دولة، بمجموع 63.19 نقطة، وهو ترتيب يعكس تحسناً مقارنة بسنة 2025، لكنه في الوقت ذاته يسلّط الضوء على فجوة واضحة تفصل المغرب عن الدول الرائدة في هذا المؤشر المركّب.

فعلى المستوى العالمي، تواصل دول الشمال الأوروبي فرض هيمنتها على المراتب الأولى، حيث تصدّرت النرويج التصنيف، متبوعة بالدنمارك وفنلندا والسويد وإيسلندا، مستفيدة من نماذج اجتماعية قائمة على ترسيخ الحقوق، وجودة الخدمات، والعدالة الاجتماعية. في المقابل، تذيّلت دول مثل تنزانيا وجزر سليمان وبنغلادش الترتيب، ما يعكس هشاشة البنيات الاجتماعية وضعف القدرة على الاستجابة للاحتياجات الأساسية للسكان.

وعند مقارنة وضعية المغرب بنظرائه عربياً، يبرز تفاوت لافت داخل الفضاء العربي نفسه. إذ تصدّرت دولة الإمارات العربية المتحدة الدول العربية باحتلالها المرتبة 44 عالمياً، متبوعة بقطر ثم الكويت وسلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، وهي دول استفادت من استثمارات كبيرة في البنية التحتية الاجتماعية والخدمات الأساسية. في المقابل، جاءت الصومال في ذيل الترتيب العربي باحتلالها المرتبة 161 عالمياً، في مؤشر صارخ على تأثير النزاعات وعدم الاستقرار السياسي على التقدم الاجتماعي.

ويُظهر هذا السياق المقارن أن تقدم المغرب، رغم كونه إيجابياً من حيث الأرقام، يبقى متوسطاً إذا ما قورن بالدول الصاعدة إقليمياً، وبعيداً عن النماذج المتقدمة عالمياً. فالتصنيف، الذي يعتمد على 57 مؤشراً اجتماعياً وبيئياً تغطي 99 في المائة من سكان العالم، لا يقيس النمو الاقتصادي فحسب، بل يربط التقدم الحقيقي بمدى تلبية الاحتياجات الأساسية، وجودة التعليم والصحة، واتساع هامش الحقوق والفرص.

التقرير نفسه يدق ناقوس الخطر بشأن المسار العالمي للتقدم الاجتماعي، مسجلاً تراجعاً في 50 دولة، مقابل تحسن 36 فقط، واستقرار 85 دولة عند مستوياتها السابقة. ويُرجع هذا التراجع أساساً إلى انخفاض مؤشرات الحقوق منذ سنة 2011، وتدهور مجالات الصحة والسلامة والبيئة وخدمات الماء والصرف الصحي والسكن والحصول على المعلومة خلال الفترة ما بين 2021 و2025.

كما يربط التقرير هذا المنحى بتصاعد القيادات الاستبدادية والشعبوية في عدد من الدول، وهو ما انعكس سلباً على الحقوق أولاً، ثم امتد تأثيره إلى باقي مجالات التقدم الاجتماعي. ويقدّم المثال الأمريكي دليلاً على ذلك، إذ تراجعت الولايات المتحدة بـ14 مرتبة منذ 2011، مع انخفاض ملموس في مؤشرات الحقوق والتعليم والإسكان والشمولية والسلامة.

في المحصلة، يضع هذا التصنيف المغرب أمام معادلة مزدوجة: من جهة، تأكيد وجود مسار تحسّن تدريجي في بعض المؤشرات الاجتماعية، ومن جهة أخرى، إبراز الحاجة إلى إصلاحات أعمق تمس جودة التعليم، وتكافؤ الفرص، وتعزيز الحقوق، حتى لا يظل التقدم الاجتماعي محصوراً في تحسين الترتيب، بل متجسداً في حياة المواطنين اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى