من حافة الردع إلى منطق المواجهة: هل دخلت واشنطن وتل أبيب وطهران مرحلة كسر العظم؟

الرباط: إستثمار

لم يعد التصعيد الذي شهدته إيران فجر السبت مجرد جولة جديدة في حرب الظل بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى؛ بل يبدو أنه انتقال نوعي من سياسة “الردع المتبادل” إلى اختبار مفتوح لحدود القوة والنفوذ. إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء “عمليات قتالية كبرى”، بالتوازي مع إعلان إسرائيل تنفيذ “ضربة استباقية”، يشي بأن قواعد الاشتباك التي ترسخت بعد حرب يونيو 2025 لم تعد صامدة.

اللافت في هذا التطور ليس فقط حجم الضربات، بل طبيعتها وأهدافها المعلنة. فاستهداف “الصناعة الصاروخية والقدرات البحرية الإيرانية” يعني عملياً ضرب أدوات الردع الأساسية التي بنتها طهران خلال عقدين لموازنة التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأمريكي. بذلك، تتحول العملية من رسالة ضغط تفاوضي إلى محاولة تقويض البنية الاستراتيجية التي تقوم عليها العقيدة الدفاعية الإيرانية.

في المقابل، جاء الرد الإيراني إعلامياً وسياسياً سريعاً، مع توصيف ما جرى بـ“العدوان الجوي”، وتأكيد سلامة الرئيس مسعود بزشكيان، في محاولة واضحة لطمأنة الداخل ومنع أي فراغ في صورة القيادة. غير أن تسجيل ضربات في أحياء حساسة بطهران، بينها محيط حي باستور حيث مقر المرشد الأعلى علي خامنئي، يحمل دلالات رمزية تتجاوز البعد العسكري إلى استعراض القدرة على الوصول إلى “قلب النظام”.

هذا التصعيد يأتي في سياق توتر مزمن تغذيه ثلاثة ملفات مترابطة: البرنامج النووي، وتطوير الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي الإيراني عبر شبكة من الحلفاء. وبينما كانت الوساطة العُمانية تحاول إعادة إحياء مسار تفاوضي هش، جاء التحرك العسكري ليؤكد أن الثقة السياسية بين الأطراف بلغت مستوى متدنياً إلى حد أن الدبلوماسية باتت رهينة للمدفع.

إسرائيل، التي أعلنت حالة إنذار شاملة ودوت صفارات الإنذار في القدس، تسعى إلى تثبيت معادلة “الضربة الوقائية” كلما رأت تهديداً استراتيجياً يتعاظم. لكنها في المقابل تدرك أن توسيع رقعة المواجهة قد يفتح جبهات متعددة، سواء عبر الصواريخ بعيدة المدى أو عبر ساحات إقليمية أخرى. أما الولايات المتحدة، فإن انخراطها المباشر يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت تتحرك لاحتواء تهديد محدد، أم لإعادة رسم ميزان القوة في المنطقة قبل أي تسوية سياسية كبرى.

إغلاق المجالات الجوية في إيران وإسرائيل والعراق مؤشر إضافي على خطورة اللحظة. فالمخاوف لا تقتصر على تبادل الضربات، بل تمتد إلى أسواق الطاقة وممرات الملاحة، خصوصاً مضيق هرمز الذي يشكل شرياناً حيوياً للنفط العالمي. أي اضطراب طويل الأمد هناك قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة اضطراب جديدة، في وقت لا تزال فيه الأسواق تتعافى من أزمات متلاحقة.

استدعاء ذاكرة حرب يونيو 2025، التي استمرت 12 يوماً وشهدت ضربات على منشآت نووية وعسكرية إيرانية ورداً بصواريخ ومسيّرات، يبرز مفارقة أساسية: رغم شدة تلك المواجهة، فقد انتهت بضبط إيقاع التصعيد دون الانزلاق إلى حرب شاملة. أما اليوم، فإن المؤشرات توحي بأن هامش الضبط أضيق، وأن كل طرف يختبر سقف الطرف الآخر بجرأة أكبر.

تحليلياً، يمكن قراءة ما يحدث من زاويتين متناقضتين: إما أنه ضغط محسوب لإعادة طهران إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر صرامة، أو أنه بداية مسار تصعيدي يصعب احتواؤه، خاصة إذا ردت إيران بشكل مباشر وواسع. في الحالة الأولى، قد نشهد جولة عنيفة لكنها قصيرة. وفي الثانية، قد تدخل المنطقة مرحلة استنزاف طويل يخلط الأوراق الإقليمية والدولية.

السؤال الجوهري لم يعد: من بدأ؟ بل: من يملك القدرة على التراجع دون أن يظهر بمظهر الخاسر؟ في صراع تتداخل فيه الرمزية مع الاستراتيجية، والحسابات الداخلية مع رهانات الهيبة الدولية، تبدو المنطقة أقرب من أي وقت مضى إلى اختبار جديد لمعادلة الردع… اختبار قد يعيد رسم خرائط النفوذ أو يفتح الباب على فوضى يصعب التكهن بمداها.

وفي ذات السياق، أفادت وكالة رويترز للأنباء بأن انفجارا هائلا دوى في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، اليوم السبت، وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن انفجارات دوت في العاصمة السعودية الرياض، بينما قالت إيران إنها تستهدف قواعد أمريكية في المنطقة.

ودوت انفجارات في البحرين، وقالت الداخلية البحرينية إن صفارات الإنذار جرى تفعليها في أنحاء البلاد، مطالبة المواطنين والمقيمين بالتوجه إلى أقرب مكان آمن.

وأظهرت صور سقوط صاروخ في العاصمة البحرينية المنامة، وقالت رويترز إن الدخان تصاعد من منطقة الجفير في البحرين، والتي تضم قاعدة بحرية أمريكية.

وقالت وكالة أنباء البحرين إن مركز الخدمات التابع للأسطول الخامس الأمريكي تعرّض لهجوم صاروخي.

من جانبها، ذكرت وزارة الدفاع القطرية أنها تصدت بنجاح لعدد من الهجمات التي استهدفت الأراضي القطرية.

ودعت الداخلية القطرية المواطنين والمقيميين للبقاء في منازلهم وتجنّب التحرك إلا للضرورة القصوى.

وأعلنت الكويت والإمارات وقطر إغلاقا مؤقتا للأجواء الجوية للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى