
من نقل الركاب إلى شحن الأرباح: هل يسبق المغرب منافسيه في سباق الطيران الصناعي؟
الرباط: ريم بنكرة
في سياق التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطيران عالمياً، لم يعد التنافس يقتصر على عدد الرحلات أو حجم الأساطيل، بل انتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً يرتبط بالقدرة على التكيف مع الطلب الجديد، خاصة في مجال الشحن الجوي. ضمن هذا التحول، يخطو المغرب خطوة لافتة عبر مشروع تحويل طائرات بوينغ من نقل الركاب إلى الشحن داخل مطار محمد الخامس الدولي، في محاولة لإعادة تموقعه داخل سلاسل القيمة العالمية للطيران.
هذه المبادرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الدولي، حيث سارعت دول ومراكز صناعية كبرى في أوروبا وآسيا إلى الاستثمار في هذا النوع من الأنشطة، مستفيدة من الطفرة غير المسبوقة في التجارة الإلكترونية واضطرابات سلاسل الإمداد. غير أن ما يميز المقاربة المغربية هو الجمع بين القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية والتكلفة التنافسية، مقابل نماذج أخرى تعتمد أساساً على القدرات التكنولوجية العالية لكن بتكاليف تشغيل مرتفعة.
إن إنشاء ثلاث حظائر صناعية متخصصة داخل المنصة الجوية للدار البيضاء يعكس انتقال المغرب من موقع الخدمات البسيطة إلى موقع الصناعات الدقيقة المرتبطة بالطيران. ففي حين تركز بعض الدول الإفريقية على استقطاب الرحلات أو تطوير البنيات التحتية الأساسية، يراهن المغرب على كسب رهان أكثر تعقيداً يتمثل في صيانة وتحويل الطائرات، وهو مجال يتطلب كفاءات بشرية عالية ومعايير تقنية صارمة.
وعلى مستوى القدرة الإنتاجية، فإن تحويل ما يصل إلى ثماني طائرات سنوياً قد يبدو رقماً محدوداً مقارنة بمراكز صناعية عالمية، لكنه يكتسب دلالته من كونه خطوة تأسيسية في سوق متخصصة ذات قيمة مضافة مرتفعة. فالمسألة لا تتعلق بالكم بقدر ما ترتبط بالتموقع داخل شبكة دولية تتحكم فيها شركات كبرى وتخضع لمعايير دقيقة، ما يمنح المغرب فرصة لبناء سمعة صناعية تدريجية في هذا المجال.
من جهة أخرى، يعكس هذا المشروع تحولاً في الرؤية الاقتصادية، حيث لم يعد الهدف مجرد جذب الاستثمارات، بل توطين المعرفة ونقل التكنولوجيا، وهو ما يظهر في الرهان على تكوين مهندسين وتقنيين مغاربة قادرين على الاندماج في هذه الصناعة المعقدة. وهنا يبرز الفرق بين نموذج يعتمد على العمالة منخفضة التكلفة، ونموذج يسعى إلى خلق منظومة صناعية متكاملة.
كما أن هذا التوجه ينسجم مع دينامية أوسع تهدف إلى جعل الدار البيضاء مركزاً إقليمياً للخدمات الجوية، في منافسة مباشرة مع منصات أخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط والخليج. غير أن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطاً بقدرة المغرب على الحفاظ على توازن دقيق بين الجودة والتكلفة، وعلى الاستمرار في تطوير بنياته التحتية وتحديث منظومته التكوينية.
في المحصلة، لا يمثل مشروع تحويل الطائرات مجرد استثمار صناعي جديد، بل يعكس تحولاً استراتيجياً في تموقع المغرب داخل صناعة الطيران العالمية. وبين نموذج تقليدي يكتفي بدور العبور، ونموذج صاعد يسعى إلى إنتاج القيمة، يبدو أن المملكة تراهن على الخيار الثاني، في سباق مفتوح لا يُحسم فقط بالإمكانات، بل بمدى القدرة على استباق تحولات سوق سريع التغير.





