الملك يُوبّخ الأحزاب بلُغة هادئة: من تأطير الغائبين إلى استعادة ثقة الشارع

الرباط: إستثمار

لم يكن خطاب الملك محمد السادس خلال افتتاح الدورة التشريعية، مساء الجمعة، مجرد افتتاح بروتوكولي للسنة البرلمانية الأخيرة، بل حمل بين سطوره رسائل توبيخ سياسي ناعم موجهة إلى الأحزاب والمنتخبين والبرلمانيين، الذين اعتبرهم الملك مقصّرين في أداء وظيفتهم الأساسية: تأطير المواطنين وربط الجسور بين الدولة والمجتمع.

بلهجة تجمع بين النقد والحرص، ذكّر الملك الفاعلين السياسيين بأن التواصل مع المواطنين والتعريف بالمبادرات العمومية ليس مهمة الحكومة وحدها، بل مسؤولية مشتركة تشمل الأحزاب، والبرلمان، والمنتخبين، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني.

هذه الإشارة الملكية تحمل بعداً مؤسسياً عميقاً؛ فهي تعيد وضع البوصلة في الاتجاه الصحيح بعدما انحرفت الممارسة الحزبية عن أدوارها الدستورية نحو الحسابات الانتخابية الضيقة.

الملك هنا لا يكتفي بتشخيص الخلل، بل يقدّم تقييماً ضمنياً لأداء النخب السياسية خلال الولاية الجارية، مؤكداً أن ضعف الوساطة الحزبية أصبح سبباً مباشراً في تآكل الثقة السياسية وابتعاد فئات واسعة من المجتمع، خصوصاً الشباب، عن المشاركة والانخراط.

يرى الباحث في السوسيولوجيا السياسية عبد المنعم الكزان أن الخطاب الملكي بمثابة “توبيخ هادئ” للأحزاب، التي تخلّت عن دورها التقليدي في التأطير، تاركة المجال مفتوحاً أمام الفاعلين الجدد في الفضاءات الرقمية والشارع العام.

ويشير الكزان إلى أن الملك، من موقعه كرئيس للدولة، وجّه إنذاراً سياسياً مبطّناً لكل الفاعلين الحزبيين، محذراً من اتساع الفجوة بين السياسة والمجتمع، ومشدداً على ضرورة إعادة بناء جسور الثقة عبر وسائط مؤسساتية جديدة قادرة على الإنصات للشباب.

هذا التحليل يجد صداه في مضمون الخطاب نفسه، الذي دعا إلى محاربة الممارسات التي تُضيّع الوقت والجهد والإمكانات، وإلى “ثقافة نتائج” تربط المسؤولية بالمحاسبة، في مقابل أداء حزبي يتّسم بالجمود وغياب المبادرة.

من جهتها، أكدت الباحثة في العلوم السياسية شريفة لموير أن الخطاب الملكي كان “واضحاً وصريحاً” في تحميل الأحزاب مسؤولية جمودها وفشلها في القيام بأدوارها الدستورية المنصوص عليها في الفصل السابع من الدستور.

وأضافت أن الواقع السياسي اليوم يكشف عن معارضة مشلولة لا تترجم تطلعات المجتمع، وأغلبية حكومية صامتة تفتقر إلى التواصل مع المواطنين، مما جعل الشارع المغربي “فضاء التعبير الوحيد” عن الإحباط الاجتماعي وغياب الوساطة السياسية الفاعلة.

وبلغة مقارنة، فإن الخطاب الملكي الحالي يواصل نهجاً بدأ منذ خطابات سابقة، خاصة خطاب العرش وخطاب ثورة الملك والشعب، حيث كرّس الملك دور المؤسسة الملكية كفاعل توازني حين تغيب كفاءة المؤسسات الوسيطة أو تضعف، مذكّراً بأن الملكية لا تعوض الأحزاب، لكنها تذكّرها بمسؤولياتها الدستورية.

الرسالة الملكية هذه المرة ليست فقط نقداً، بل دعوة لإصلاح سياسي داخلي يعيد للأحزاب مكانتها كجسر بين الدولة والمجتمع، من خلال:

استقطاب الكفاءات والشباب عبر قنوات حديثة ومؤسساتية.

إحياء دور المعارضة في مراقبة الأداء الحكومي والدفاع عن المصلحة العامة.

فالملك، وهو يربط بين العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية وتعبئة الفاعلين، يشير ضمنياً إلى أن أي نموذج تنموي لن ينجح دون نخب سياسية تواكب الإصلاح وتترجمه للمواطنين.

يمكن القول إن الخطاب الملكي حمل تقويماً صارماً للطبقة السياسية بلغة متوازنة لا تجرّح ولكنها لا تُجامل.
فهو دعوة إلى استعادة السياسة معناها النبيل، وإلى إحياء العلاقة المقطوعة بين المواطن والمؤسسات عبر وسيط حزبي ناضج ومسؤول.

وبذلك، يتحول “التوبيخ الملكي” إلى نداء إصلاحي صريح: إما أن تنهض الأحزاب بمهامها في التأطير والتواصل، أو ستظل خارج مسار “المغرب الصاعد” الذي يقوده الملك بخطى ثابتة نحو العدالة المجالية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى