نفط بلا آبار: هل يحمي المغرب اقتصاده الطاقي في عالم يتقلب على إيقاع فنزويلا و«أوبك+»؟

الرباط: إستثمار

لا يملك المغرب نفطًا، لكنه يدفع ثمنه سياسيًا واقتصاديًا أكثر من دول منتِجة. فاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم يكن حدثًا محليًا في أميركا اللاتينية، بل صدمة جديدة في سوق طاقة عالمي بات يُسعَّر على وقع السياسة قبل منطق العرض والطلب.

وبين قرارات «أوبك+» الرامية إلى ضبط الإنتاج، وتحركات واشنطن لإعادة رسم خريطة النفوذ الطاقي، يجد المغرب نفسه مجددًا أمام سؤال قديم متجدد: ما مستقبل أمنه الطاقي في عالم غير قابل للتنبؤ؟

تطورات فنزويلا أعادت النفط إلى قلب الصراع الجيوسياسي. فالدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم تحولت من مورد محتمل للاستقرار إلى عامل عدم يقين. احتمال تخفيف العقوبات الأميركية بعد إزاحة مادورو، أو العكس تمامًا في حال تفجر الفوضى الداخلية، يخلق سيناريوهين متناقضين: إما وفرة تضغط على الأسعار، أو اضطراب يرفعها فجأة. وفي الحالتين، لا يملك المغرب سوى التكيف مع موجة لا يصنعها.

في المقابل، تواصل «أوبك+» لعب دور “صمام الأمان” عبر سياسة التجميد أو التخفيض المحسوب للإنتاج، في محاولة لمنع انهيار الأسعار من جهة، وتجنب قفزات حادة من جهة أخرى. غير أن هذا الانضباط الجماعي لم يعد كافيًا لضمان استقرار طويل الأمد، لأن السوق بات يتفاعل أكثر مع الأخبار السياسية والعسكرية والعقوبات، لا مع المؤشرات الاقتصادية التقليدية. وهنا تكمن معضلة المغرب: الاستقرار الذي توفره «أوبك+» ظرفي، بينما الصدمات الجيوسياسية بنيوية ومتكررة.

بالنسبة للاقتصاد المغربي، يعني ذلك استمرار هشاشة الفاتورة الطاقية، حتى في فترات انخفاض الأسعار. فكل ارتفاع مفاجئ في النفط ينعكس مباشرة على كلفة النقل والإنتاج، ويضغط على القدرة الشرائية، ويقلص هامش المناورة المالية للدولة في سوق محروقات محررة. أما الانخفاضات، فغالبًا ما تكون مؤقتة ولا تسمح ببناء سياسات طويلة النفس.

مستقبل النفط المغربي، إذن، لا يُقاس بسعر البرميل فقط، بل بقدرة البلاد على تقليص ارتهانها له. فالأحداث الأخيرة تؤكد أن الأمن الطاقي لم يعد مسألة تقنية، بل قضية سيادة وطنية. ومع تسارع تسييس الطاقة عالميًا، يصبح الاستثمار في الطاقات المتجددة، والغاز الطبيعي، وتخزين الطاقة، خيارًا استراتيجيًا لا يحتمل التأجيل، لا سيما أن المغرب يتوفر على مؤهلات شمسية وريحية تؤهله للتحول من مستورد هش إلى فاعل إقليمي في الطاقة النظيفة.

في عالم تُعاد فيه كتابة قواعد سوق النفط من كاراكاس إلى فيينا حيث مقر «أوبك»، يبقى المغرب أمام مفترق طرق واضح: إما الاستمرار في سياسة التكيّف مع صدمات خارجية لا يتحكم فيها، أو تسريع الانتقال نحو نموذج طاقي يقلل من أثر تقلبات الأسواق ويحوّل الأزمات الدولية من تهديد دائم إلى عامل تسريع للإصلاح. ففي زمن النفط المسيس، لا يكفي انتظار استقرار البرميل، بل يجب بناء اقتصاد قادر على العيش من دونه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى