جيتيكس أفريقيا 2026: من منصة عرض إلى ساحة صراع على السيادة الرقمية بين الطموح المغربي والتحولات القارية

الرباط: ريم بنكرة

في سياق التحولات الرقمية المتسارعة عالمياً، لم يعد تنظيم التظاهرات التكنولوجية الكبرى مجرد واجهة للترويج أو عرض الابتكارات، بل أضحى يعكس توازنات جديدة في القوة الاقتصادية والمعرفية. ومن هذا المنطلق، يبرز تنظيم النسخة الرابعة من “جيتيكس أفريقيا” بالمغرب، ما بين 7 و9 أبريل بمراكش، كحلقة ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تموقع القارة الإفريقية في خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي، وهو ما أكده أمين المزواغي، المدير العام لوكالة التنمية الرقمية، حين ربط الحدث برؤية استراتيجية تجعل من التحول الرقمي رافعة مزدوجة للتنمية الداخلية وتعزيز التعاون الإفريقي.

غير أن قراءة هذه الدينامية تفرض مقارنتها بسياق السنوات الماضية، حيث كانت القارة الإفريقية تُصنّف أساساً كسوق استهلاكية للتكنولوجيا،
في مقابل هيمنة مراكز الابتكار العالمية.

أرقام النسخة السابقة من “جيتيكس أفريقيا”، التي استقطبت أكثر من 52 ألف مشارك و1500 عارض من أزيد من 130 دولة، تعكس بالفعل انتقالاً كمّياً مهماً، لكن التحدي الحقيقي يظل في التحول النوعي: أي الانتقال من كثافة الحضور إلى عمق التأثير في سلاسل إنتاج التكنولوجيا.

في هذا الإطار، يتم تقديم دورة 2026 باعتبارها نقطة تحول، ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث الوظيفة، حيث يسعى المنظمون إلى تحويل الحدث من فضاء للعرض إلى منصة تُصاغ فيها القرارات الرقمية.

هذا الطموح يعكس تحوّلاً في الخطاب الرسمي من منطق “اللحاق” إلى منطق “المبادرة”، وهو تحول ينسجم مع خطاب أوسع يرى في السيادة الرقمية امتداداً للسيادة الوطنية والأمن الاقتصادي. غير أن هذا الطموح يطرح بدوره تساؤلات حول مدى قدرة الفاعلين المحليين والإقليميين على امتلاك أدوات الإنتاج التكنولوجي، في ظل استمرار الفجوة الرقمية والاعتماد الكبير على البنيات والخدمات الأجنبية.
ومن زاوية مقارنة، تؤكد مداخلات الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم تريكسي لوميرماند، المديرة العامة لـ“كاون أنترناشيونال”، أن اختيار المغرب كأول امتداد عالمي لهذه التظاهرة خارج الإمارات لم يكن اعتباطياً، بل يستند إلى مؤشرات بنيوية، من بينها تطور البنية التحتية الرقمية واحتضان البلاد لأزيد من 20 مركزاً للبيانات، مع توقعات بارتفاع حصتها الإقليمية مستقبلاً. هذا المعطى يعزز صورة المغرب كقطب رقمي صاعد، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على منافسة إقليمية متزايدة، حيث تسعى عدة دول إفريقية لاستقطاب الاستثمارات نفسها في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.

وبين خطاب التفاؤل الرسمي والمعطيات الواقعية، يظهر أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استقطاب الفعاليات أو الاستثمارات، بل في بناء منظومة متكاملة قادرة على تحويل هذه الدينامية إلى قيمة مضافة مستدامة. فالتأكيد على الاستثمار في الرأسمال البشري وتطوير الكفاءات المحلية يظل عنصراً حاسماً في هذا المسار، خاصة في ظل الحاجة إلى تقليص التبعية التكنولوجية والانتقال من استهلاك الحلول الرقمية إلى إنتاجها وتصديرها.

في المحصلة، يعكس “جيتيكس أفريقيا” أكثر من مجرد حدث تكنولوجي؛ إنه مرآة لتحول استراتيجي تعيشه القارة، تتقاطع فيه رهانات السيادة الرقمية مع إكراهات الواقع الاقتصادي. وبين طموح المغرب في لعب دور المنصة الإقليمية، وتطلع إفريقيا إلى إعادة تعريف موقعها في الاقتصاد الرقمي، يبقى السؤال المركزي: هل تنجح هذه المبادرات في إحداث قطيعة فعلية مع نموذج التبعية، أم أنها ستظل محكومة بمنطق الاندماج غير المتكافئ في منظومة رقمية عالمية تقودها قوى أكبر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى