
صيف السياحة بالمغرب.. لماذا تصبح العطلة حلماً مكلفاً للمغاربة بينما تنخفض الأسعار في وجهات منافسة؟
الرباط نارمان بنمسعود
مع كل موسم صيفي يعود الجدل نفسه حول ارتفاع أسعار السياحة الداخلية بالمغرب، غير أن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد ظاهرة موسمية مرتبطة بالعطلة الصيفية، بل أصبح مؤشراً على اختلال أعمق بين الطلب المتزايد والعرض المحدود. ففي الوقت الذي يراهن فيه المغرب على تعزيز مكانته كوجهة سياحية دولية واستقطاب ملايين الزوار، يجد جزء مهم من المغاربة أنفسهم أمام كلفة مرتفعة تجعل الاستمتاع بعطلتهم داخل بلدهم أكثر صعوبة من السفر إلى بعض الوجهات الأجنبية المنافسة.
ويجمع عدد من المتخصصين على أن ارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة يرتبط بتزامن ثلاثة عوامل رئيسية؛ تتمثل في العطلة المدرسية، وعودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، واستمرار تدفق السياح الأجانب. هذا التزامن يخلق ضغطاً استثنائياً على البنية الإيوائية، سواء تعلق الأمر بالفنادق أو بالشقق المخصصة للكراء اليومي، ما يؤدي إلى اختلال واضح في ميزان العرض والطلب.
وفي المقارنة مع دول سياحية رائدة مثل إسبانيا، يظهر الفارق جلياً في حجم الطاقة الاستيعابية وتنوع المنتجات السياحية.
فبينما تتوفر هذه الوجهات على عروض واسعة قادرة على استيعاب الطلب المرتفع دون تأثير كبير على الأسعار، ما يزال العرض السياحي بالمغرب ينمو بوتيرة أبطأ من نمو الطلب، الأمر الذي يفتح المجال أمام زيادات متواصلة في الأثمنة كلما ارتفعت نسبة الإقبال.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات والبرامج التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الماضية لتطوير السياحة الداخلية.
فرغم وجود استثمارات ومخططات تهدف إلى رفع عدد الأسرة الفندقية وتوسيع البنيات السياحية، فإن النتائج المحققة تبدو أقل من الطموحات المعلنة. ويُستدل على ذلك بتعثر بعض المشاريع الموجهة أساساً للمواطن المغربي، والتي كان يُفترض أن توفر عروضاً سياحية تتلاءم مع قدرته الشرائية وتحد من الضغط على الوجهات التقليدية.
في المقابل، يرى المدافعون عن حقوق المستهلك أن تفسير الغلاء بقانون العرض والطلب وحده لا يكفي لفهم الظاهرة. فإلى جانب محدودية العرض، تبرز عوامل أخرى مرتبطة بالمضاربة والرغبة في تحقيق أرباح سريعة خلال فترة قصيرة، وهو ما يجعل بعض الزيادات تبدو بعيدة عن المنطق الاقتصادي السليم، خاصة عندما تتجاوز بشكل واضح القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وبين من يعتبر الغلاء نتيجة طبيعية لسوق يعرف طلباً قوياً وعرضاً محدوداً، ومن يرى فيه انعكاساً لممارسات تجارية تحتاج إلى مزيد من المراقبة والتنظيم، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في المعادلة. لذلك يبرز خيار البحث عن بدائل أقل كلفة أو مقاطعة الوجهات المبالغ في أسعارها كوسيلة للضغط على السوق وإعادة التوازن بين العرض والطلب.
في النهاية، لا يبدو أن أزمة أسعار السياحة الداخلية مرتبطة بالصيف فقط، بل تكشف عن تحدٍ استراتيجي يواجه القطاع بأكمله. فنجاح المغرب في استقطاب أعداد متزايدة من السياح يظل إنجازاً مهماً، لكنه يفقد جزءاً من قيمته عندما يتحول المواطن المغربي إلى متفرج على هذا النجاح بدل أن يكون أحد أبرز المستفيدين منه.
وبين طموح تعزيز الجاذبية السياحية وضرورة ضمان حق المغاربة في عطلة بأسعار معقولة، تظل الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في بنية العرض السياحي حتى لا تتحول السياحة الداخلية إلى رفاهية لا يقدر عليها إلا القليل.





