انتخابات 2026.. الأحزاب ترفع شعار المناصفة وتقصي النساء من صدارة اللوائح

الرباط: نارمان بنمسعود

تتسع دائرة الانتقادات الموجهة إلى الأحزاب السياسية المغربية، على خلفية ضعف حضور النساء في صدارة اللوائح المحلية للانتخابات التشريعية المقبلة، وسط اتهامات للتنظيمات السياسية بتحويل مبدأ المناصفة إلى مجرد شعار انتخابي، بدل ترجمته إلى قرارات فعلية تمنح النساء موقعاً متقدماً في المنافسة الانتخابية.

وتبرز جهة الدار البيضاء-سطات بشكل لافت في هذا النقاش، بعدما كشفت المعطيات المتوفرة إلى حدود الآن عن حضور محدود جداً للنساء في مقدمة اللوائح المحلية، في وقت تتحدث فيه الأحزاب باستمرار عن دعم التمثيلية النسائية وتعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية.

وعلى مستوى الجهة، رشح حزب الأصالة والمعاصرة سيدتين على رأس لوائحه المحلية، ويتعلق الأمر بنجوى كوكوس بدائرة أنفا ومنال باديل بدائرة برشيد، فيما اختار حزب العدالة والتنمية آمنة ماء العينين بدائرة عين الشق، بينما وضع تحالف اليسار نبيلة منيب على رأس لائحته بدائرة أنفا.

وترى فعاليات حقوقية ونسائية أن هذه الأسماء، رغم حضورها، لا تعكس تحولاً حقيقياً في طريقة تعامل الأحزاب مع ترشيحات النساء، خصوصاً أن عدد المرشحات في مواقع الصدارة لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الخطاب السياسي حول المناصفة والمساواة.

وفي هذا السياق، اعتبرت بشرى عبدو، مديرة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، أن النساء ما زلن يواجهن ما وصفته بـ”عنف سياسي ممنهج”، يتمثل أساساً في رفض منحهن مواقع متقدمة على رأس اللوائح الانتخابية، رغم وجود نساء راكمن تجربة داخل الأحزاب ويتوفرن على مؤهلات تؤهلهن لخوض المنافسة.

وترى عبدو أن استمرار هذا الوضع يكشف، بحسب تعبيرها، عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة، إذ إن عدداً من الأحزاب السياسية لم ينتقل بعد من الحديث عن المناصفة إلى تطبيقها فعلياً، كما أن ترشيح النساء لا يزال في كثير من الحالات مرتبطاً بحسابات انتخابية وتنظيمية ضيقة.

وتذهب الفاعلة الحقوقية إلى أن المشكلة لا ترتبط بغياب الكفاءات النسائية، بقدر ما ترتبط بطريقة توزيع مواقع الترشيح داخل الأحزاب، مشيرة إلى أن نساء كثيرات ينخرطن لسنوات في العمل الحزبي ويشتغلن ميدانياً، قبل أن يجدن أنفسهن خارج الحسابات عندما يحين موعد الاستحقاقات الانتخابية.

وتضع عبدو ظاهرة “الشكارة” في صلب هذا النقاش، معتبرة أن النفوذ المالي والقدرة على الإنفاق الانتخابي قد تكون في بعض الحالات عاملاً حاسماً في تحديد أسماء المرشحين، وهو ما يجعل النساء أمام منافسة غير متكافئة، حتى عندما يمتلكن التجربة والكفاءة والحضور السياسي.

من جانبها، انتقدت خديجة الرباح، المنسقة الوطنية للجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، ما وصفته بغياب الدعم السياسي الحقيقي لترشيح النساء، معتبرة أن حضور المرأة في ترتيبات الانتخابات المقبلة لا يزال دون مستوى الوعود التي قدمتها الأحزاب خلال السنوات الماضية.

وترى الرباح أن التعامل مع المشاركة السياسية للنساء ما زال في جانب منه أسير الشعارات، بينما تكشف اللوائح الانتخابية عن واقع مختلف، حيث تظل النساء بعيدات عن مواقع القرار والصدارة، وهو ما يطرح، بحسبها، سؤالاً جدياً حول مدى التزام الأحزاب بمبدأ المناصفة باعتباره خياراً سياسياً وليس مجرد واجهة انتخابية.

وتزداد حدة المفارقة عندما يتعلق الأمر ببرامج التكوين والتأهيل السياسي الموجهة للنساء، إذ تشير الرباح إلى أن “برنامج مشاركة”، الذي أطلقته وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة وانخرطت فيه الجمعية، كان يهدف إلى تقوية حضور النساء في المجال السياسي وإعدادهن لخوض الاستحقاقات الانتخابية.

غير أن الإشكال، وفق المتحدثة، يتمثل في أن عدداً من النساء اللواتي استفدن من التكوين واكتسبن مهارات مرتبطة بالتواصل والعمل السياسي والتعامل مع وسائل الإعلام، لم يجدن أنفسهن ضمن اللوائح الانتخابية في مواقع تسمح لهن بالمنافسة الفعلية.

وهنا تبرز مفارقة لافتة: يتم الاستثمار في تكوين وتأهيل النساء سياسياً، وتخصيص موارد وبرامج لتقوية قدراتهن، ثم تتراجع الأحزاب عند لحظة الاختيار الحاسمة، فلا تمنح عدداً كافياً منهن مواقع متقدمة تتيح لهن الوصول إلى المؤسسات المنتخبة.

ويرى منتقدو الوضع الحالي أن استمرار هذه المفارقة قد يجعل برامج تمكين النساء سياسياً منفصلة عن الواقع الحزبي، لأن التكوين وحده لا يكفي إذا لم ترافقه إرادة سياسية حقيقية لفتح أبواب الترشح والمنافسة أمام النساء.

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود ملف التمثيلية النسائية إلى الواجهة بقوة، ليس فقط باعتباره قضية حقوقية، وإنما باعتباره اختباراً حقيقياً لمصداقية الأحزاب وشعاراتها حول المساواة والمناصفة.

فالمعركة، في نظر الفعاليات النسائية، لم تعد تتعلق بمجرد وجود أسماء نسائية داخل اللوائح، وإنما بموقع تلك الأسماء ومدى قدرتها على المنافسة والوصول إلى البرلمان.

إذ إن وضع النساء في مواقع متأخرة قد يسمح للأحزاب بتسجيل حضور نسائي شكلي، لكنه لا يضمن بالضرورة تغييراً حقيقياً في موازين التمثيلية السياسية.

وبينما تستعد الأحزاب لخوض سباق انتخابي ستكون فيه الحسابات الانتخابية والرهانات السياسية حاضرة بقوة، تجد التنظيمات نفسها أمام سؤال أكبر من مجرد اختيار المرشحين: هل ستتعامل مع المرأة كعنصر انتخابي لتزيين اللوائح، أم كفاعل سياسي قادر على قيادة الدوائر وخوض المنافسة من الصف الأول؟

السؤال بات أكثر إلحاحاً في ظل تراكم الانتقادات الحقوقية، لأن استمرار ضعف حضور النساء في صدارة اللوائح قد يعيد إنتاج المشهد نفسه بعد كل استحقاق: خطابات قوية عن المناصفة قبل الانتخابات، ثم تراجع واضح عند لحظة توزيع مواقع الترشيح.

وبذلك تتحول الانتخابات المقبلة إلى اختبار فعلي للأحزاب المغربية: إما أن تترجم شعاراتها حول المناصفة إلى اختيارات ملموسة تمنح النساء مواقع متقدمة، أو أن يستمر الاتهام بأن الحديث عن المشاركة السياسية للمرأة لا يتجاوز حدود الخطاب، بينما تظل مفاتيح القرار الانتخابي بيد شبكات النفوذ والمال والرجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى