فلاحة التصدير أم فلاحة الأمن الغذائي؟ المغرب أمام اختبار السيادة في زمن الجفاف

الرباط: ريم بنكرة

في مقارنة لافتة بين مسارين فلاحيين متناقضين، دقّ المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة ناقوس الخطر بشأن الخيارات الفلاحية المعتمدة بالمغرب، داعيًا، في ورقة تحليلية صدرت في دجنبر 2025، إلى مراجعة عميقة لأولويات الدعم العمومي، عبر تحويل البوصلة من الزراعات الموجهة للتصدير نحو الزراعات الأساسية الضامنة للأمن الغذائي الوطني، وعلى رأسها الحبوب والقطاني والخضروات.

الورقة تضع، بشكل غير مباشر، نموذجين متقابلين: نموذج فلاحي يراهن على التصدير والعائدات الخارجية، ونموذج آخر يضع السيادة الغذائية واستقرار السوق الداخلية في صدارة الاهتمام. وفي ظل الإجهاد المائي المتفاقم، وارتفاع كلفة الاستيراد، وتوالي الصدمات المناخية، ترى الورقة أن الاستمرار في دعم الزراعات التصديرية يكرّس اختلالًا استراتيجيًا، حيث تُستنزف الموارد الطبيعية المحدودة لإنتاج موجّه للأسواق الخارجية، بينما تظل المواد الأساسية رهينة تقلبات الاستيراد والأسعار العالمية.

في المقابل، يبرز دعم الزراعات المعيشية كخيار أكثر توازنًا، ليس فقط من زاوية الأمن الغذائي، بل أيضًا من حيث العدالة الاجتماعية والاقتصادية. فالحبوب والقطاني والخضروات تشكل قاعدة الاستهلاك اليومي للمغاربة، كما تمثل مصدر العيش الأساسي لصغار ومتوسطي الفلاحين، الذين غالبًا ما يجدون أنفسهم خارج دائرة الامتيازات المرتبطة بسلاسل التصدير. ووفق المقاربة التي تقترحها الورقة، فإن توجيه الدعم لهذه الزراعات من شأنه تعزيز استقرار السوق الوطنية، والحد من تقلبات الأسعار، وتقليص التبعية للخارج.

هذا الطرح المقارن يفتح النقاش حول فعالية السياسات الفلاحية الحالية، التي ركزت لسنوات على منطق القيمة المضافة والصادرات، دون أن تواكب ذلك بحماية كافية للأمن الغذائي الداخلي. فبينما حققت بعض الزراعات التصديرية أرقامًا مهمة من حيث المداخيل، ظل سؤال الاكتفاء الذاتي مطروحًا بقوة، خاصة مع كل موسم جفاف أو اضطراب في سلاسل التوريد العالمية.

وفي هذا السياق، دعا خبراء وفاعلون فلاحيون إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم بشكل عملي، عبر تسهيل الولوج إلى التمويل والبذور والأسمدة، وتشجيع الزراعات الأساسية، والاستثمار في تقنيات الري المقتصدة للمياه، بما يعكس تحولًا حقيقيًا في الأولويات، لا مجرد تعديل تقني في البرامج. كما شددت الورقة على ضرورة اعتماد رؤية استراتيجية شاملة توازن بين متطلبات السوق المحلية والالتزامات التصديرية، دون التفريط في الاستدامة البيئية وحماية الموارد الطبيعية.

ويأتي هذا النقاش في لحظة دقيقة، حيث لم تعد المفاضلة بين فلاحة التصدير وفلاحة الأمن الغذائي ترفًا فكريًا، بل خيارًا سياسيًا واقتصاديًا حاسمًا. فإما الاستمرار في نموذج يحقق أرقامًا للتصدير مقابل هشاشة غذائية متزايدة، أو الانتقال إلى فلاحة تجعل مائدة المغاربة أولوية، وتضع السيادة الغذائية في صلب القرار العمومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى