
نقص السيولة يفضح اختلالات السياسة النقدية: هل تنقذ تدخلات بنك المغرب الأبناك أم تؤجل الأزمة؟
الرباط: إدريس بنمسعود
تكشف معطيات بنك المغرب لشهر دجنبر 2025 عن تصاعد مقلق في احتياجات السيولة لدى الأبناك، حيث بلغ متوسطها الأسبوعي 135,7 مليار درهم، في مؤشر لا يمكن قراءته فقط كحركة تقنية في السوق النقدية، بل كعرضٍ بنيوي يعكس توتراً مستمراً في التوازنات المالية. هذا الارتفاع، مقارنة بـ129,1 مليار درهم قبل شهر واحد، يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية انتقال السياسة النقدية وقدرة الجهاز البنكي على تمويل الاقتصاد في سياق يتسم بتباطؤ الاستثمار وضغط الكلفة.
أمام هذا الوضع، واصل بنك المغرب نهج التدخل المكثف عبر رفع حجم ضخ السيولة إلى 154,5 مليار درهم، موزعة بين تسبيقات قصيرة الأجل وعمليات إعادة الشراء وإعادة التمويل بالقروض المضمونة طويلة الأجل.
ورغم أن هذا التدخل يضمن استقرار السوق النقدية على المدى القصير، إلا أنه يكرّس في المقابل اعتماداً متزايداً للأبناك على تمويل البنك المركزي، ما يحدّ من دينامية السوق بين الأبناك ويضعف مناعة القطاع أمام الصدمات.
ويؤكد تراجع متوسط حجم التبادلات اليومية بين الأبناك إلى حدود 6 مليارات درهم هذا التشخيص، إذ يعكس حذراً متبادلاً وفتوراً في الثقة، رغم استقرار سعر الفائدة المتوسط عند 2.25 في المائة. كما أن الارتفاعات الطفيفة المسجلة في أسعار الفائدة بسوق سندات الخزينة، سواء في السوق الأولية أو الثانوية، تشير إلى ضغوط تمويلية خفيفة لكنها مستمرة، قد تتفاقم إذا استمرت حاجيات الخزينة والقطاع البنكي في التوسع.
في المقابل، تظهر تطورات أسعار الفائدة على الودائع تراجعاً لافتاً، خصوصاً بالنسبة للودائع لأجل ستة أشهر وسنة، وهو ما يضعف جاذبية الادخار ويطرح إشكالية توزيع كلفة التكيف النقدي، حيث يبدو أن المودع يتحمل جزءاً من العبء دون أن ينعكس ذلك بالضرورة
في تحسن ملموس لشروط الائتمان.
وعلى مستوى القروض، يبرز نوع من التناقض في مسار المعدلات.
فبينما استقر متوسط سعر الفائدة الإجمالي عند 4.85 في المائة، سجلت القروض الموجهة للأفراد تراجعاً محدوداً، خاصة في قروض السكن، في خطوة تهدف إلى دعم الطلب الاجتماعي، دون أن تنجح في تحريك قوي للسوق العقارية. في المقابل، عرفت القروض الممنوحة للمقاولات غير المالية ارتفاعاً طفيفاً، مدفوعاً بزيادة كلفة تسهيلات الخزينة، ما يعكس استمرار الضغوط على السيولة التشغيلية للمقاولات، خصوصاً في ظل تباطؤ النشاط الاقتصادي.
أما الفوارق حسب حجم المقاولة، فتؤكد استمرار اختلال الولوج إلى التمويل، حيث ورغم التراجعات الطفيفة في معدلات الفائدة، ما تزال المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة تواجه كلفة أعلى مقارنة بالمقاولات الكبرى، وهو ما يقوض جهود إنعاش الاستثمار المنتج ويحدّ من الأثر الحقيقي للسياسة النقدية التيسيرية.
في المحصلة، توحي هذه المعطيات بأن تدخلات بنك المغرب، رغم ضرورتها لضمان الاستقرار النقدي، تظل أقرب إلى معالجة أعراض أزمة سيولة مزمنة، دون أن تعالج جذورها المرتبطة بضعف الثقة، وتباطؤ الاستثمار، واختلال قنوات تمويل الاقتصاد الحقيقي. وهو ما يفتح النقاش مجدداً حول الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولية، تزاوج بين السياسة النقدية والإصلاحات البنيوية، بدل الاكتفاء بضخ سيولة يؤجل الأسئلة الصعبة بدل الإجابة عنها.





