
التمويل التعاوني في مواجهة تشدد البنوك: رافعة صاعدة أم حل مؤقت لتمويل المقاولات؟
الرباط: ريم بنكرة
في سياق يتسم بتشديد شروط الولوج إلى القروض البنكية وارتفاع كلفة الائتمان، يفرض التمويل التعاوني نفسه كخيار تمويلي بديل يكتسب زخماً متزايداً داخل المنظومة الاقتصادية المغربية، خصوصاً لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تجد نفسها عالقة بين مشاريع قابلة للحياة ومعايير بنكية تقليدية لا تراعي خصوصياتها.
وبينما ظل التمويل البنكي لعقود القناة الرئيسية لتعبئة الموارد، يكشف الواقع الحالي عن حدود هذا النموذج، ويفتح الباب أمام مقارنات جديدة بين منطق الإقراض الكلاسيكي ومنطق المشاركة الذي يقوم عليه التمويل التعاوني.
فحسب عادل بنزاكور، رائد الأعمال والمستثمر والخبير في التمويل البنكي والبورصي والتمويل التعاوني، فإن هذا النمط لا يقدم نفسه بديلاً عن الأبناك، بل كآلية تكميلية تتدخل في مراحل حاسمة من دورة حياة المقاولة، إما قبل الولوج إلى التمويل البنكي أو بالتوازي معه.
هذه المقاربة التشاركية تتيح تمويل احتياجات محددة، كإطلاق منتج جديد أو اقتناء تجهيزات أو تغطية خصاص ظرفي في رأس المال العامل، وهي مجالات غالباً ما تتردد البنوك في تمويلها بسبب ارتفاع المخاطر أو غياب الضمانات.
وإذا كان التمويل البنكي يرتكز أساساً على التاريخ المالي والضمانات، فإن التمويل التعاوني يقارن ذلك بمنطق مختلف يقوم على تقييم الفكرة، ونموذج الأعمال، والأثر الاقتصادي أو الاجتماعي للمشروع. هذا التحول في زاوية النظر يمنح المقاولات الناشئة والصغرى متنفساً تمويلياً، ويعزز في الآن ذاته متانتها المالية من خلال تنويع مصادر التمويل وتقليص هشاشتها أمام تقلبات السوق، وهو ما يجعل تعدد قنوات التمويل عنصراً بنيوياً في بناء نماذج اقتصادية أكثر مرونة.
على المستوى المؤسساتي، يكتسب التمويل التعاوني بالمغرب نقطة قوة إضافية مقارنة بتجارب ناشئة في دول أخرى، بفضل الإطار القانوني الذي أرساه القانون 15-18، والذي يضع هذا النشاط تحت إشراف بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل. هذا التأطير الصارم يمنح المنظومة قدراً من المصداقية، ويحد من المخاطر المرتبطة بالعشوائية أو ضعف الحماية القانونية، ما يجعله أقرب إلى التمويل المنظم منه إلى المبادرات غير المؤطرة.
غير أن المقارنة بين الإمكانات النظرية والواقع العملي تكشف أن وتيرة تطور التمويل التعاوني ما تزال دون الطموحات. فبحسب بنزاكور، لا يكمن العائق في النصوص القانونية، بل في عوامل بنيوية وثقافية، على رأسها ضعف ثقافة الاستثمار لدى شريحة واسعة من الأفراد، الذين ما زالوا يفضلون أنماط الادخار التقليدية أو الاستثمار العقاري. هذا المعطى يجعل الانتقال نحو تمويل قائم على المشاركة وتقاسم المخاطر مساراً تدريجياً يتطلب وقتاً وتراكماً في الوعي المالي.
ومن جهة أخرى، تواجه المقاولات نفسها تحدي التكيف مع متطلبات جديدة تقوم على مستويات أعلى من الشفافية والإفصاح والحكامة، وهي شروط جوهرية في التمويل التعاوني، لكنها تختلف جذرياً عن العلاقة التقليدية مع البنك. هذا التحول، وإن كان إيجابياً على المدى المتوسط، يفرض مرحلة تعلم واختبار قد تبطئ الانتشار السريع لهذا النمط من التمويل.
وتظل الثقة، في نهاية المطاف، الرهان المركزي في المقارنة بين التمويل البنكي والتمويل التعاوني. فبينما تستند الأبناك إلى تاريخ طويل من التعامل المؤسسي، يسعى التمويل التعاوني إلى بناء هذه الثقة تدريجياً عبر منصات مرخصة تعتمد مساطر صارمة لانتقاء المشاريع وتتبع تنفيذها. ويرى بنزاكور أن تسريع الأثر الاقتصادي لهذا التمويل يمر عبر تعزيز التربية المالية، وإشراك الإعلام الاقتصادي في تبسيط آلياته، إضافة إلى إدماج الفاعلين المؤسساتيين بشكل تدريجي، بما يجعل التمويل التعاوني مرحلة اختبار قبل الولوج إلى التمويل البنكي أو سوق الرساميل.
وفي هذا الإطار، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إبراز قصص النجاح القادرة على تحويل التمويل التعاوني من مفهوم نظري إلى أداة ملموسة لخلق القيمة وفرص الشغل. فنجاح مشاريع حقيقية ذات أثر محلي واضح من شأنه أن يعزز الثقة، ويقنع المستثمرين وحاملي المشاريع بأن هذا النمط التمويلي ليس مجرد حل ظرفي، بل مكون فعلي داخل منظومة تمويلية أكثر تنوعاً وشمولاً.
هكذا، يبدو التمويل التعاوني بالمغرب في موقع وسط بين الطموح والواقع: فهو ليس عصا سحرية تحل إشكالات التمويل، ولا مجرد صيحة عابرة، بل رافعة صاعدة تفرض نفسها كلما ضاقت قنوات التمويل التقليدية، وتكشف أن مستقبل تمويل المقاولات قد يكون في الجمع بين منطق البنك ومنطق المشاركة، لا في المفاضلة الصفرية بينهما.





