عيد الأضحى يلهب الأسعار: هل يدفع المستهلك ثمن اختلالات قطاع اللحوم؟

الرباط: إستثمار

تشهد مدينة الدار البيضاء موجة جديدة من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، في سياق يتكرر كل عام مع اقتراب عيد الأضحى، لكنه هذه المرة يبدو أكثر حدة ويطرح تساؤلات أعمق حول بنية السوق واختلالات العرض والطلب. فالأرقام المسجلة في مجازر المدينة، والتي تتراوح بين 115 و125 درهما للكيلوغرام، لا تعكس فقط ظرفية موسمية، بل تكشف عن أزمة مركبة تمتد جذورها إلى سنوات سابقة من التدبير غير المتوازن للقطاع.

هذا الارتفاع لم يبق محصورا في أسواق الجملة، بل انتقل بسرعة إلى محلات البيع بالتقسيط، خصوصا في الأحياء الشعبية والمناطق المجاورة، حيث باتت القدرة الشرائية للمواطنين تحت ضغط متزايد. ومع اقتراب عيد الأضحى، تزداد المخاوف من أن تتحول الأضحية إلى عبء مالي ثقيل على فئات واسعة، في ظل توقعات بمزيد من الارتفاع خلال الأسابيع المقبلة.
من زاوية مهنية، يَعتبر الفاعلون في القطاع أن ما يحدث أمر متوقع، مبررين ذلك بتراجع العرض مقابل ارتفاع الطلب، خاصة مع توجه “الكسابة” إلى الاحتفاظ بالقطيع لتسمينه استعدادا للعيد. غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته الظرفية، لا يعفي من مساءلة أعمق حول أسباب هشاشة العرض أصلا، ولماذا لم يتم بناء احتياطي كافٍ يضمن استقرار السوق في مثل هذه المناسبات.

اللافت أن تحسن المراعي بفعل التساقطات المطرية الأخيرة لم ينعكس إيجابا على الأسعار، وهو ما يكشف عن مفارقة واضحة: وفرة الكلأ لا تعني بالضرورة وفرة القطيع الجاهز للذبح.

فالتداعيات المتراكمة لسنوات من الذبح المكثف والعشوائي، دون تأطير صارم أو تدخل فعال لدعم صغار المربين، ساهمت في استنزاف القطيع الوطني، ما جعل السوق أكثر عرضة للتقلبات.

تصريحات المهنيين، ومن بينهم جمال فرحان، تؤكد هذا الاتجاه، حيث يشير إلى أن القطيع الحالي غير قادر على تلبية الطلب المتزايد، متوقعا استمرار منحى الارتفاع. غير أن هذا المعطى يفتح الباب أمام نقد السياسات العمومية في القطاع، خاصة فيما يتعلق بضعف دعم “الكساب الصغير” وغياب آليات استباقية لضبط السوق.

في المحصلة لا تبدو أزمة أسعار اللحوم الحمراء مجرد نتيجة لاقتراب عيد الأضحى، بل هي انعكاس لاختلالات هيكلية في تدبير قطاع حيوي يمس الأمن الغذائي والاجتماعي. وبين منطق السوق وضغط المناسبة الدينية، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف، في انتظار تدخلات أكثر نجاعة تعيد التوازن وتحد من تقلبات الأسعار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى