أسواق الطاقة على حافة الاختناق: هل يتفوق زلزال الشرق الأوسط على صدمة أوكرانيا؟

الرباط: إستثمار الدولي

في مقارنة تكشف تحولات عميقة في موازين التأثير الجيوسياسي على أسواق الطاقة، يرى ألفريد ستيرن أن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم يتجاوز، من حيث الحدة والتأثير المباشر، تداعيات غزو روسيا لأوكرانيا 2022، وهو الحدث الذي كان يُنظر إليه إلى وقت قريب كأكبر صدمة طاقية في العقد الأخير.

هذا الطرح لا ينفي أن الحرب في أوكرانيا أعادت رسم خريطة الطاقة العالمية، حيث دفعت أوروبا إلى البحث عن بدائل سريعة للغاز الروسي، وفتحت المجال أمام تحولات استراتيجية في مصادر التزود. غير أن تلك الأزمة، رغم عمقها، ظلت في جوهرها أزمة إعادة توجيه للتدفقات، أي أن الطاقة لم تختفِ من السوق بقدر ما تغيرت وجهتها. في المقابل، تبدو الأزمة المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط مختلفة من حيث الطبيعة والتأثير، إذ لم تعد المسألة مرتبطة فقط بإعادة توزيع الموارد، بل بتقلص فعلي في حجم الإمدادات نفسها.

هذا الفارق الجوهري هو ما يمنح الأزمة الحالية طابعًا أكثر خطورة. فحين يتعلق الأمر باضطراب في سلاسل التوريد، كما أشار ستيرن خلال مؤتمر CERAWeek 2026، فإن السوق لا يواجه مجرد إعادة ترتيب، بل حالة نقص حقيقي تُترجم سريعًا إلى ارتفاع في الأسعار وتزايد في حدة التنافس بين الدول المستهلكة. وهنا تتحول الطاقة من أداة نفوذ جيوسياسي إلى عنصر اختناق اقتصادي مباشر.

المقارنة بين الأزمتين تكشف أيضًا اختلافًا في زمن التأثير. فالأزمة الأوكرانية، رغم شدتها، سمحت بهامش من التكيف التدريجي، حيث تمكنت الأسواق من امتصاص الصدمة عبر تنويع الشركاء وتسريع الاستثمار في الطاقات البديلة. أما في الحالة الراهنة، فإن عامل الزمن يبدو أكثر قسوة، إذ إن استمرار الاضطراب لفترة طويلة يعني ببساطة استنزاف المخزونات وارتفاعًا متواصلاً في الأسعار، دون وجود حلول سريعة لتعويض النقص.

هذا الوضع يضع الدول المستهلكة، خاصة النامية منها، أمام معادلة معقدة: فكل ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على كلفة المعيشة، ويضغط على ميزانيات الدول، ويهدد استقرارها الاجتماعي. وفي هذا السياق، لا تبدو المخاطر اقتصادية فقط، بل تمتد لتشمل أبعادًا سياسية واجتماعية قد تعيد إنتاج أزمات داخلية في عدة مناطق من العالم.

في المحصلة، تكشف هذه القراءة المقارنة أن العالم انتقل من مرحلة “إعادة توزيع الطاقة” التي ميزت أزمة أوكرانيا، إلى مرحلة “نقص الطاقة” التي تلوح في أفق الشرق الأوسط. وبين المرحلتين، يتغير منطق التأثير: من سوق قادر على التكيف إلى سوق يعيش على وقع القلق وعدم اليقين. والسؤال الذي يفرض نفسه لم يعد متعلقًا فقط بمصدر الطاقة، بل بمدى قدرة العالم على تحمل صدمات متتالية في شريان حيوي يشكل أساس الاقتصاد العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى