الدرهم بين ثبات السياسات وتقلبات الأسواق: قراءة في تحركات العملة الوطنية

الرباط: ريم بنكرة

في مشهد نقدي يتسم بالحذر والتريث، كشفت معطيات بنك المغرب عن تحركات محدودة لكنها دالة للدرهم خلال أول شهرين من العام الجاري، حيث سجل ارتفاعًا طفيفًا أمام العملتين الرئيسيتين في المبادلات الدولية: 0.5 في المائة مقابل الدولار الأمريكي، و0.7 في المائة مقابل اليورو. غير أن هذه القراءة الجزئية لا تكتمل إلا بوضعها في سياقها الأوسع، إذ يعزو البنك المركزي هذه الزيادة الضئيلة إلى عامل خارجي يتمثل في صعود العملة الأوروبية بنسبة 1.2 في المائة أمام العملة الأمريكية خلال الفترة ذاتها، مما يكشف عن هشاشة نسبية في استقلالية حركة الدرهم أمام التحولات الجيوسياسية للنقد الأجنبي.

لكن التحليل المقارن لتطورات العملة الوطنية خلال الفصل الرابع من 2025 يرسم صورة أكثر تعقيدًا، حيث انحدر الدرهم أمام عملات اقتصادية صاعدة كاليوان الصيني بنسبة 2.8 في المائة، والريال البرازيلي بنسبة 2.9 في المائة، بينما سجل انخفاضًا معتدلًا أمام الجنيه الإسترليني بنسبة 0.5 في المائة. وفي تناقض ملفت، صعد الدرهم أمام الليرة التركية بنسبة 1.6 في المائة، وهو ما يعكس الأداء المتباين للعملات الناشئة في ظل بيئة نقدية دولية متقلبة.

أما على مستوى المحددات البنيوية، فيكشف فارق التضخم بين المغرب وشركائه التجاري عن ديناميكية مغايرة تمامًا، إذ تراجع سعر الصرف الفعلي للدرهم خلال الربع الأخير من 2025 بنسبة 1.6 في المائة بالقيمة الاسمية و2.9 في المائة بالقيمة الحقيقية، مما يشير إلى تحسن تنافسية المنتجات الوطنية في الأسواق الخارجية، وإن كان ذلك يأتي في سياق دولي يشهد تباطؤًا تضخميًا عامًا.

أما سوق الصرف بين البنوك، فيكشف عن تحولات هيكلية في سلوك الفاعلين، حيث تراجع حجم المبادلات الإجمالي في يناير إلى 25.9 مليار درهم منخفضًا بنسبة 12.6 في المائة مقارنة بالربع السابق، وهو ما يتسق مع الانكماش المسجل في العمليات الفورية مع الزبناء، التي تقلصت مشتريات البنوك فيها بنسبة 6.2 في المائة ومبيعاتها بنسبة 8.9 في المائة.

لكن المفارقة تكمن في الصعود الكبير للعمليات الآجلة، حيث قفزت مشتريات البنوك بنسبة 52.4 في المائة مسجلة 7 مليارات درهم، بينما استقرت المبيعات عند 17 مليار درهم بانخفاض طفيف لم يتجاوز 0.5 في المائة، مما يعكس توجهًا واضحًا نحو أدوات التحوط والتغطية الآجلة، في إشارة إلى توقعات بزيادة التقلبات النقدية خلال الأشهر المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى