بعد 5 سنوات من الحصار.. الفوسفاط المغربي يعود إلى أمريكا لإنقاذ موسم المزارعين

الرباط: المهدي الجرباوي

بعد أكثر من خمس سنوات من القيود التي فرضت على دخول الأسمدة الفوسفاتية المغربية إلى السوق الأمريكية، بدأت منتجات مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط «OCP» تستعيد موقعها في واحد من أكبر الأسواق الزراعية العالمية، في تطور يحمل أبعاداً تجارية واقتصادية تتجاوز مجرد وصول شحنة جديدة من الأسمدة إلى الموانئ الأمريكية.

فقد رست بميناء نيو أورلينز سفينة قادمة من المغرب، محملة بنحو 54 ألف طن من الفوسفات الثلاثي الممتاز (TSP)، في أول شحنة كبيرة من منتجات «OCP» إلى الولايات المتحدة بعد قرار واشنطن تعليق الرسوم التعويضية المفروضة على واردات الأسمدة الفوسفاتية المغربية.

وتكتسي هذه العودة أهمية خاصة بالنسبة إلى السوق الأمريكية، التي تستعد للموسم الفلاحي الخريفي في وقت تواجه فيه تحديات مرتبطة بتراجع مصادر الإمداد المحلية. ويتميز الفوسفات الثلاثي الممتاز بقدرته على توفير الفوسفور بشكل مستقل عن العناصر الغذائية الأخرى، الأمر الذي يمنح المزارعين مرونة أكبر في اختيار برامج التسميد وتكييفها مع احتياجات محاصيلهم وتربة أراضيهم.

وتأتي هذه الشحنة في أعقاب قرار أمريكي صدر في 29 يونيو الماضي، يقضي بالتعليق المؤقت للرسوم التعويضية المفروضة على الأسمدة الفوسفاتية المغربية، وهو القرار الذي فتح نافذة جديدة أمام «OCP» لاستعادة تدفق منتجاتها إلى السوق الأمريكية بعد سنوات من القيود التجارية.

ومنذ صدور القرار، دخلت المجموعة المغربية في مباحثات مع وزارة التجارة الأمريكية والجهات المختصة من أجل توضيح كيفية تطبيق القرار وضمان احترام المتطلبات التنظيمية، وهو ما سمح بعودة الشحنات المغربية إلى السوق خلال فترة تعليق الرسوم.

ولا تبدو عودة الفوسفاط المغربي مجرد عملية تجارية عابرة، بل تأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي تشهد تحولاً في خريطة الإمدادات الفوسفاتية. فوفق معطيات مجموعة «OCP»، تراجع الإنتاج المحلي الأمريكي من الفوسفات بأكثر من 50 في المائة منذ سنة 1995، بينما ظلت الواردات المغربية مقيدة لأكثر من خمس سنوات.

وهنا تبرز المفارقة: ففي الوقت الذي تحتاج فيه الزراعة الأمريكية إلى مصادر مستقرة ومتنوعة للأسمدة، كانت القيود المفروضة على المنتجات المغربية تحد من أحد أهم مصادر الإمداد الخارجية. ومع اقتراب الموسم الفلاحي، تبدو عودة «OCP» إلى السوق الأمريكية مرتبطة أيضاً بحاجة المزارعين إلى ضمان توفر الأسمدة في الوقت المناسب وبكميات كافية.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة OCP North America، كيفن كيم، إن وصول الشحنة يعكس التزام المجموعة بتزويد السوق الأمريكية بالأسمدة الفوسفاتية، معتبراً أن تعليق الرسوم يساهم في توسيع الخيارات المتاحة أمام المزارعين وتحسين قدرتهم على الوصول إلى هذه المنتجات.

لكن خلف هذه العودة التجارية تبرز معركة أكبر تتعلق بمستقبل العلاقة بين أكبر منتج عالمي للفوسفاط وإحدى أهم القوى الزراعية في العالم. فالسوق الأمريكية لا تمثل بالنسبة إلى «OCP» مجرد وجهة لتصريف المنتجات، وإنما سوق استراتيجية يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لتوسيع الاستثمارات والخدمات المرتبطة بالأسمدة والحلول الزراعية.

وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة تبحث عن تأمين إمدادات مستقرة للأسمدة، خصوصاً في ظل انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع حساسية القطاع الزراعي تجاه تقلبات الأسعار وسلاسل التوريد العالمية. وبالتالي، فإن مصالح الطرفين تبدو متقاطعة أكثر مما توحي به الخلافات التجارية التي طبعت السنوات الماضية.

غير أن عودة الفوسفاط المغربي إلى الولايات المتحدة لا تزال محكومة بعامل أساسي يتمثل في الطبيعة المؤقتة لتعليق الرسوم. فبالنسبة إلى «OCP»، فإن الاستقرار التنظيمي ووضوح الرؤية على المدى الطويل يظلان شرطين أساسيين لاتخاذ قرارات استثمارية أكبر في السوق الأمريكية.

وتكشف هذه المعطيات أن المعركة حول الفوسفاط المغربي في الولايات المتحدة لم تكن مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الغذائي وتنافسية الزراعة الأمريكية وأمن سلاسل الإمداد. فكلما تراجعت قدرة الإنتاج المحلي الأمريكي، ازدادت الحاجة إلى موردين خارجيين قادرين على توفير كميات كبيرة ومنتظمة من الأسمدة.

ومن هذا المنطلق، قد تشكل شحنة الـ54 ألف طن أكثر من مجرد بداية تجارية جديدة؛ فقد تكون اختباراً لمرحلة مختلفة في العلاقات الاقتصادية بين المغرب والولايات المتحدة، عنوانها البحث عن توازن بين حماية الإنتاج المحلي الأمريكي وضمان وصول المزارعين إلى أسمدة تنافسية ومتنوعة.

وبينما تراقب الأسواق والمزارعون الأمريكيون مستقبل الرسوم والقيود، تبدو مجموعة «OCP» أمام فرصة لاستعادة موقعها في السوق الأمريكية، لكن هذه المرة من بوابة الحاجة الأمريكية نفسها إلى تنويع مصادر الأسمدة. وإذا تحول التعليق المؤقت للرسوم إلى إطار أكثر استقراراً، فقد لا تكون شحنة نيو أورلينز سوى الخطوة الأولى لعودة أقوى للفوسفاط المغربي إلى الأراضي الأمريكية، وربما لبداية فصل جديد من المنافسة حول أحد أهم الموارد الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى