
التصنيفات الائتمانية.. معركة المغرب وإفريقيا لكسب ثقة الأسواق العالمية
الرباط: الخبير المهدي الجرباوي
كشف أحدث تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) عن مجموعة توصيات استراتيجية تستهدف تحسين موقع الدول الإفريقية، وعلى رأسها المغرب، في سباق التصنيفات الائتمانية السيادية، التي باتت محدِّداً مركزياً لمستقبل التمويل والاستثمار في القارة.
التقرير، الصادر منتصف غشت تحت عنوان “التصنيفات الائتمانية السيادية.. آفاق التنمية في إفريقيا”، شدد على أن هذه التصنيفات لا ينبغي أن تظل مجرد مرآة تعكس هشاشة اقتصادية، بل يجب أن تلتقط أيضا ديناميات الإصلاحات الهيكلية والمؤسساتية التي تنخرط فيها دول عديدة. بالنسبة للمغرب، الذي يُعد ضمن الدول الأفضل نسبياً في إفريقيا من حيث الجدارة الائتمانية، فإن التوصيات تمثل دعوة صريحة لتعزيز حضوره لدى وكالات التصنيف الكبرى مثل موديز وفيتش وستاندرد آند بورز.
الثقة والشفافية: مفاتيح الوصول إلى التمويل
التقرير أبرز أن التصنيفات الائتمانية السيادية تُحدد بدرجة كبيرة قدرة الدول على ولوج الأسواق المالية الدولية، بل وتؤثر مباشرة على شروط الاقتراض وثقة المستثمرين. لذلك، أوصى البرنامج الأممي بضرورة تعزيز الحوار بين الحكومات ووكالات التصنيف عبر إنشاء وحدات متخصصة لتوفير بيانات دقيقة وشفافة.
في الحالة المغربية، ينسجم هذا التوجه مع جهود وزارة الاقتصاد والمالية في تحسين التواصل حول السياسات الميزانياتية والإصلاح الضريبي، إلى جانب الاستثمارات في البنية التحتية الخضراء، ما يمنح الأسواق صورة أوضح عن استقرار الاقتصاد الكلي وقدرته على الوفاء بالالتزامات.
البيانات والإصلاحات: سلاح ضد سوء الفهم
من أبرز ما جاء في التقرير، التأكيد على الاستثمار في أنظمة البيانات والإحصاءات الاقتصادية، باعتبارها حجر الزاوية لمصداقية التصنيفات. المغرب، المنخرط في تحديث نظامه الإحصائي ورقمنة المالية العمومية، يُنظر إليه كحالة متقدمة نسبياً، لكن التحدي يكمن في ضمان استمرارية هذه الجهود وربطها مباشرة بصورة البلاد لدى الأسواق.
تنويع مصادر التقييم وتجاوز هيمنة الوكالات العالمية
أوصى التقرير كذلك بتمكين وكالات التصنيف الإقليمية لتقديم تقييمات مكملة للتصنيفات الدولية. هذا التنويع، وفق التقرير، من شأنه أن يخلق قراءة أكثر توازناً للواقع المحلي ويحد من “فجوات المعلومات” التي لا تزال تضعف مكانة كثير من الاقتصادات الإفريقية، بما فيها المغرب.
الاستدامة والتمويل المبتكر: أوراق قوة غير مُستغلة
من الزوايا التحليلية اللافتة، دعوة التقرير إلى مراجعة المنهجيات المعتمدة من قبل وكالات التصنيف لتأخذ بعين الاعتبار عناصر مثل الاستدامة والطاقات المتجددة والحكامة. بالنسبة للمغرب، الذي استثمر بشكل ضخم في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية ويقود مبادرات إقليمية في مجال الانتقال الطاقي، فإن هذه الإنجازات تمثل أوراق قوة ينبغي أن تنعكس بشكل أوضح على تقييماته السيادية.
إلى جانب ذلك، أشار التقرير إلى جدوى اللجوء إلى أدوات تمويل مبتكرة، مثل مقايضة الدين بالاستثمار في المناخ، كآلية لتقليص كلفة التمويل الخارجي وتحسين صورة المخاطر.
تضع توصيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المغرب ومعه باقي الدول الإفريقية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحويل الإصلاحات والسياسات الخضراء والبيانات المحدثة إلى نقاط قوة معترف بها دولياً؟ التصنيفات الائتمانية لم تعد مجرد أرقام تقنية، بل تحولت إلى ساحة صراع استراتيجية على ثقة الأسواق العالمية.





