من الشغب إلى الإشاعة: كيف تواجه المؤسسة الأمنية سيل الأخبار الزائفة زمن المباريات الكبرى؟

الرباط: إستثمار الرياضي

في خضم الأجواء المشحونة التي رافقت نهائي كأس إفريقيا لكرة القدم، لم يقتصر التوتر على المدرجات ومحيط المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث سارعت بعض الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ترويج أخبار وصفت بالخطيرة، مفادها تسجيل حالة وفاة مزعومة نتيجة “اعتداء إجرامي” طال شخصًا مكلفًا بحراسة المركب. غير أن المديرية العامة للأمن الوطني سارعت إلى نفي هذه الروايات بشكل قاطع، معتبرة إياها أخبارًا مضللة لا تستند إلى أي أساس من الصحة.

المؤسسة الأمنية، في بلاغها، لم تكتفِ بنفي الواقعة، بل قدمت معطيات دقيقة تفند مضمون الإشاعة، مؤكدة أنها لم تسجل أي حالة وفاة لا في صفوف عناصر الأمن الخاص، ولا ضمن المكلفين بجمع الكرات، كما لم تُباشر أي إجراءات معاينة لجثة مرتبطة بأحداث شغب رياضي. والأهم من ذلك، أن هذه المعطيات تم التثبت منها عبر مراجعة مختلف المؤسسات الصحية، في خطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام أي تأويل أو تشكيك.

وإذا ما قورنت هذه الرواية الرسمية بما جرى تداوله رقمياً، يتضح حجم الفجوة بين منطق المعلومة المؤطرة والمسؤولة، ومنطق الإشاعة السريعة التي تتغذى على التوتر الجماهيري والسياق الانفعالي للمباريات الكبرى. ففي مثل هذه اللحظات، يتحول الخبر غير المؤكد إلى مادة قابلة للتضخيم، ويصبح “الادعاء” في نظر البعض حقيقة، بمجرد تداوله على نطاق واسع، دون تحقق أو مساءلة.

هذا السلوك الرقمي يضعنا أمام إشكالية أعمق تتجاوز حادثة بعينها، وتتعلق بدور وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة الخوف الجماعي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالأمن العام. فالإشاعة، في هذا السياق، لا تسيء فقط إلى صورة المؤسسات، بل قد تخلق حالة هلع غير مبررة، وتؤجج الاحتقان بدل تهدئته، وهو ما يجعلها أكثر خطورة من الشغب الميداني نفسه.

من هذا المنطلق، شددت المديرية العامة للأمن الوطني على أنها أحاطت السلطات القضائية المختصة علماً بمحتوى هذه المنشورات، وطلبت تعليماتها من أجل فتح أبحاث قضائية لتحديد المتورطين في نشر وترويج الأخبار الزائفة. وهي خطوة تعكس انتقال التعاطي مع الإشاعة من مجرد النفي البلاغي إلى منطق المساءلة القانونية، في محاولة لفرض الانضباط داخل الفضاء الرقمي كما هو الشأن في الفضاء العام.

في المحصلة، تكشف هذه الواقعة عن مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي تراهن فيه الدولة على تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى وضمان سلامة الجماهير، يظهر تحدٍّ موازٍ لا يقل خطورة، يتمثل في ضبط تدفق المعلومة وحماية الرأي العام من التضليل. وبين رواية رسمية تستند إلى التحقق والمؤسسات، وسرديات رقمية سريعة تبحث عن الإثارة، يظل الرهان الحقيقي هو ترسيخ ثقافة إعلامية مسؤولة، تدرك أن الشغب لا يكون دائماً في الملاعب، بل قد يبدأ أحياناً بمنشور كاذب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى