
من باريس إلى القطب الشمالي: كيف هزّت تدخلات ترامب توازن العالم وأوروبا؟
الرباط: إستثمار الدولي
لم تعد تدخلات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقتصر على ساحات السياسة التقليدية، بل امتدت لتلامس مجالات العلم والدبلوماسية والأمن الدولي، في مشهد يعكس أسلوبا صداميا يعيد خلط الأوراق داخل النظام العالمي. فبين تصريحات تشكك في المؤسسات العلمية، وتسريب محادثة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومطالبته المتكررة بالسيطرة على جزيرة غرينلاند، وصولا إلى دعوته المفاجئة لإنشاء “منظمة السلام”، تتشكل ملامح مقاربة أميركية تربك الحلفاء قبل الخصوم.
تدخل ترامب في القضايا العلمية، سواء عبر التشكيك في الخبراء أو تسييس المعرفة، لم يكن مجرد خلاف رأي، بل تحوّل إلى أداة ضغط سياسي. هذا النهج أضعف الثقة في المرجعيات العلمية الدولية، وفتح الباب أمام تآكل الإجماع العالمي حول قضايا كبرى، من التغير المناخي إلى الابتكار التكنولوجي، وهو ما انعكس سلبا على التعاون الدولي وأربك أسواق البحث والاستثمار المرتبطة بالعلم والتكنولوجيا.
أما تسريب محادثته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد كشف هشاشة العلاقات داخل المعسكر الغربي نفسه. فبدل أن تبقى الخلافات ضمن القنوات الدبلوماسية المغلقة، خرجت إلى العلن، مظهرة تصدعات عميقة في الثقة بين واشنطن وعواصم أوروبية وازنة. هذا السلوك لم يُضعف فقط مكانة الدبلوماسية الأميركية، بل زاد من قلق الأوروبيين إزاء مستقبل الشراكة الأطلسية، ودفعهم إلى التفكير بجدية في استقلالية استراتيجية طال انتظارها.
وفي قلب هذا الاضطراب، تبرز مطالبة ترامب بجزيرة غرينلاند كأحد أكثر الملفات دلالة على التحول في الرؤية الجيوسياسية الأميركية. فالجزيرة لم تعد مجرد مساحة جغرافية مغطاة بالجليد، بل تحولت إلى رمز لصراع النفوذ في القطب الشمالي، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والروسية والصينية. إصرار ترامب على “امتلاك” غرينلاند، حتى وإن تم تغليفه بخطاب أمني، اعتُبر في أوروبا مساسا بالسيادة ومؤشرا على عودة منطق الصفقات الترابية الذي ظن العالم أنه تجاوزه.
هذه المواقف مجتمعة كان لها أثر مباشر على التوازن الجيوسياسي العالمي. فالدول الأوروبية وجدت نفسها بين مطرقة الحاجة إلى المظلة الأمنية الأميركية وسندان الدفاع عن استقلال قرارها السياسي. وفي المقابل، استثمرت قوى دولية صاعدة هذا الارتباك لتعزيز حضورها، سواء عبر مبادرات اقتصادية بديلة أو تحالفات أمنية جديدة، ما زاد من تفكك النظام الدولي القائم على القطبية الغربية.
اقتصاديا، انعكس هذا التوتر في حالة عدم يقين عالمية. الأسواق بطبيعتها تنفر من الغموض، وتصريحات ترامب المتقلبة، سواء بشأن الحلفاء أو التجارة أو الأمن، غذّت المخاوف من أزمات مفاجئة. أوروبا، التي ترتبط اقتصاديا بالولايات المتحدة، تأثرت بشكل خاص، في حين دفع ذلك عددا من الدول إلى تسريع البحث عن شركاء جدد وتقليل الاعتماد على القرار الأميركي.
وفي خضم هذا المشهد المتناقض، جاءت دعوة ترامب إلى إنشاء “منظمة السلام” كخطاب يبدو في ظاهره تصالحيا، لكنه يثير تساؤلات عميقة حول مضمونه الحقيقي. فالدعوة، التي لم تُرفق برؤية واضحة أو آليات عملية، بدت أقرب إلى محاولة إعادة تلميع صورة سياسية اهتزت بفعل التصعيد المستمر. كما أنها تطرح مفارقة واضحة: كيف يمكن الدعوة إلى السلام في الوقت الذي تُمارس فيه ضغوط سياسية واقتصادية تمس سيادة الدول وتزعزع استقرار النظام الدولي؟
في المحصلة، تكشف تحركات ترامب عن نمط حكم يقوم على الصدمة والمفاجأة، أكثر مما يقوم على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. هذا الأسلوب، وإن نجح أحيانا في فرض أجندته إعلاميا، إلا أنه ساهم في إضعاف الثقة العالمية بالقيادة الأميركية، وفتح مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الجيوسياسي، ستكون كلفتها الاقتصادية والسياسية باهظة على العالم، وعلى أوروبا بشكل خاص، في زمن لم يعد يحتمل مزيدا من الارتباك.





