المغرب في مرمى تشديد الهجرة الأمريكية: “العبء العام” كذريعة لإغلاق الأبواب

الرباط: إستثمار

أعادت الولايات المتحدة إدراج المغرب ضمن قائمة تضم 75 دولة شملها قرار تعليق معالجة تأشيرات الهجرة الدائمة، فتحًا جديدًا لملف سياسات الهجرة الأمريكية التي طالما وُصفت بالانتقائية والمشحونة بحسابات سياسية أكثر من كونها اقتصادية. القرار، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بدعوى الحد من اعتماد المهاجرين على المساعدات العامة، يستحضر بوضوح ملامح النهج الذي ميّز إدارة الرئيس دونالد ترامب، ويؤشر على عودة مقاربة تشددية تجاه الهجرة القادمة من دول الجنوب.

ومن المرتقب أن يدخل هذا الإجراء حيّز التنفيذ في 21 يناير الجاري، مستهدفًا تأشيرات الإقامة الدائمة دون أن يشمل رسميًا تأشيرات السياحة أو الأعمال. غير أن القراءة العملية للقرار تكشف أن آثاره قد تتجاوز هذا الفصل النظري، لتطال مجمل منظومة فحص طلبات التأشيرة، بما فيها تلك المقدمة من مواطنين مغاربة، عبر تشديد المعايير وإطالة آجال المعالجة ورفع نسب الرفض.

وتبرر الخارجية الأمريكية هذا التوجه بالسعي إلى “منع إساءة استخدام نظام الهجرة”، غير أن هذا التبرير يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن القوانين الأمريكية كانت أصلًا تفرض على طالبي الإقامة الدائمة إثبات القدرة المالية. الجديد هنا لا يكمن في المبدأ، بل في توسيع مفهوم “العبء العام” ليشمل معايير فضفاضة تمتد إلى العمر، والحالة الصحية، والمستوى التعليمي، والكفاءة اللغوية، بل وحتى أي استخدام سابق للمساعدات العامة، وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات ذات طابع تمييزي أكثر منها تقني.

بالنسبة للمغاربة الطامحين إلى الهجرة نحو الولايات المتحدة، فإن هذا القرار يعني عمليًا مسارًا أكثر تعقيدًا وكلفة، في وقت تعرف فيه الهجرة المغربية إلى أمريكا اهتمامًا متزايدًا لدوافع تعليمية ومهنية. كما أن إدراج المغرب إلى جانب دول عربية وإفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية يعكس توجهًا عامًا لتشديد الخناق على الهجرة القادمة من دول الجنوب، تحت ذريعة الخوف من “العبء المالي”، دون اعتبار كافٍ لمساهمات المهاجرين في الاقتصاد والمجتمع الأمريكيين.

القرار لم يمر دون انتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث اعتبرته أصوات سياسية، من بينها النائبة براميلا جايابال، امتدادًا لخطاب التخويف وكراهية الأجانب، الهادف إلى إقصاء مجموعات كاملة من المساهمة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي. وتزداد هذه الانتقادات وجاهة في ضوء دراسات، من بينها أبحاث لمؤسسة كاتو، تؤكد أن المهاجرين يستخدمون المساعدات العامة بنسبة أقل من المواطنين الأمريكيين المولودين داخل البلاد، ما يضعف الأساس الاقتصادي الذي يستند إليه القرار.

ويكتسي هذا الإجراء حساسية إضافية من حيث توقيته، إذ يأتي قبيل أشهر من استضافة الولايات المتحدة لكأس العالم لكرة القدم، في وقت تنتمي فيه دول عديدة من المنتخبات المتأهلة إلى قائمة الدول المتأثرة بالقيود الجديدة، وهو ما قد يخلق مفارقات تنظيمية ودبلوماسية غير محسوبة.

ورغم تأكيد الخارجية الأمريكية أن القرار لا يمس مباشرة تأشيرات السياحة، فإن تحذيرات خبراء الهجرة تشير إلى أن التشدد في التعليمات الموجهة للسفارات والقنصليات قد ينعكس سلبًا على حرية التنقل، بما في ذلك بالنسبة للمواطنين المغاربة، ليظل السؤال المطروح: هل يتعلق الأمر فعلًا بحماية المالية العامة، أم بإعادة رسم خريطة الهجرة وفق اعتبارات سياسية وانتخابية مقنّعة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى