
القارة الحمراء تتسع: كيف حوّل النشاط البشري الكوكب إلى فرنٍ متسارع؟
الرباط: إستثمار
بينما كانت سنوات مثل 2016 تُعتَبَر ذروة خطيرة في سجلات الحرارة العالمية، تبدو تلك الأرقام اليوم وكأنها ذكريات من عصر مناخي أكثر برودة. فالبيانات المناخية الصادرة مطلع عام 2026 تضع السنوات الثلاث الأخيرة (2023، 2024، 2025) كأعتى ثلاثية حرارية في التاريخ المسجل منذ 1850، مطلقةً تحذيراً صارخاً: الاحترار العالمي لم يعد منحنىً تصاعدياً هادئاً، بل تحول إلى قفزات متسارعة. فعلى خلفية قرن ونصف من القياسات، يبرز مشهدٌ مقلق: تخطي عتبة 1.4 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة لثلاث سنوات متتالية، واستقرار متوسط هذه السنوات الثلاث عند 1.47 درجة فوق ذلك المستوى المرجعي.
هذه القفزة لم تأتِ من فراغ، بل هي محصلة لقوى متآزرة كشفت هشاشة النظام المناخي. فمن ناحية، تقف ظاهرة “النينيو” الطبيعية كعاملٍ عابرٍ زاد من حدة عامي 2023 و2024، لكن تراجعها في 2025 كشف النقاب عن حقيقة أكثر إثارة للقلق: الزخم الحرارية الأساسية الكامنة التي يغذيها النشاط البشري بشكل مباشر. يقارن العلماء هنا بين الدور الطبيعي المؤقت والدور البشري الدائم، ليخلصوا إلى أن الأنشطة الصناعية والاعتماد على الوقود الأحفوري هي المحرك الرئيسي الذي لا يهدأ.
التفسير الأعمق يتجلى عند مقارنة مصادر التدفئة والتبريد في الغلاف الجوي. فبينما كانت الانبعاثات البشرية من غازات الدفيئة تدفع الكوكب نحو الاحترار منذ عقود، كانت هناك قوة معاكسة تخفف من وطأتها جزئياً: الهباء الجوي (الأيروسولات) الناتج عن التلوث الصناعي، والذي يعكس جزءاً من أشعة الشمس. مع التحسن النسبي في جودة الهواء والانبعاثات الصناعية في بعض المناطق، تراجعت هذه “المظلة التبريدية” الاصطناعية، فتكشفت الحرارة الكاملة للغازات الدفيئة المتراكمة. إنه تناقض مأساوي: فبينما يحاول العالم التخلص من التلوث لتحسين الصحة العامة، فإنه يزيل، عن غير قصد، أحد العوامل التي كانت تخفي شدة الاحترار الحقيقية.
يقودنا هذا التحليل إلى سيناريو يقترب من نقطة اللاعودة. فتقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية الذي يقدّر الاحترار طويل الأمد بـ1.37 درجة مئوية، يقف جنباً إلى جنب مع سيناريو السنوات الثلاث الأخيرة عند 1.47 درجة. هذه المقارنة توضح الفجوة الخطيرة بين الاتجاه الأساسي والذروات الجديدة المتكررة، مما يقرّب العالم بشكل “خطر” من عتبة 1.5 درجة المحددة في اتفاقية باريس، ليس كهدف طموح، بل كحاجز للحد من الكوارث.
ختاماً، تقدم هذه السلسلة الحرارية القياسية درساً تحليلياً قاسياً: لقد تجاوزت التأثيرات المناخية مرحلة التراكم التدريجي إلى مرحلة التفاعل والتضخيم. العوامل الطبيعية كالنينيو تلعب دور المُضخّم العابر، بينما العوامل البشرية – من انبعاثات غازات الدفيئة إلى تغيير تركيبة الهباء الجوي – هي القوة الدافعة والمستمرة. الرسالة التي تطلقها هذه البيانات المقارنة واضحة: السبيل الوحيد لكسر هذه السلسلة هو خفض الانبعاثات بشكل حاد وجذري، لأن الكوكب دخل مرحلة جديدة حيث أصبحت السنوات القياسية هي القاعدة، وليس الاستثناء.





