
رمضان واختبار الأسواق: بين يقظة ظرفية وحاجة إلى حوكمة دائمة لحماية القدرة الشرائية
الرباط: إستثمار
مع اقتراب شهر رمضان، يعود ملف مراقبة الأسواق إلى صدارة النقاش العمومي، ليس فقط باعتباره استحقاقًا موسميًا يرتبط بارتفاع الطلب، بل كمرآة تعكس حدود ونجاعة السياسات المعتمدة لحماية القدرة الشرائية للمغاربة. فبينما تكثف الحكومة اجتماعاتها التنسيقية لضمان التموين ومحاربة المضاربات، يطرح فاعلون في مجال حماية المستهلك سؤالًا جوهريًا: هل تكفي المقاربات الظرفية لمواجهة اختلالات بنيوية تعاني منها منظومة المراقبة طوال السنة؟
في هذا السياق، يبرز طرح بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، الذي ينتقد منطق “الحملات الموسمية” ويقارنها بالمقاربات المعتمدة دوليًا، حيث لم تعد المراقبة تنحصر في المنتوج النهائي، بل تشمل السلسلة كاملة من المنبع إلى المستهلك. فوفق هذا المنطق، تشكل آلية “تحليل المخاطر ونقاط المراقبة الحرجة” (HACCP) نموذجًا متقدمًا يقوم على الوقاية بدل الزجر المتأخر، ويُلزم الموردين بدفاتر تحملات واضحة، ما يسهّل التتبع ويحد من الاختلالات المتكررة. مقارنة بهذا النموذج، تبدو المقاربة المحلية، في نظره، أقرب إلى ردّ الفعل منها إلى الفعل الاستباقي.
وإذا كانت الوحدات الإنتاجية، خصوصًا في المجال الغذائي، تخضع نسبيًا لمراقبة دورية من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية، فإن الحلقة الأضعف تظل، بحسب الخراطي، في وسائل نقل المواد الغذائية، حيث تغيب في كثير من الأحيان شروط السلامة الخاصة بالمواد سريعة التلف. هذا الخلل الوسيط يكشف أن المراقبة الجزئية لا تكفي، وأن أي اختراق في حلقة واحدة قد يفرغ باقي الجهود من مضمونها.
وعلى مستوى العرض، تتضح المفارقة بشكل أكثر حدّة عند مقارنة أنماط الأسواق. فبينما تخضع المساحات الكبرى والأسواق المنظمة نسبيًا لمراقبة أوضح، يظل السوق غير المهيكل، الذي يمثل ما بين 55 و60 في المائة من المواد الغذائية المستهلكة، خارج دائرة الضبط الفعلي. هذا القطاع، الذي يوفر أسعارًا أقل ظاهريًا، يتحول في المقابل إلى “نقطة سوداء” تهدد صحة المستهلك، حيث تُعرض فيه أحيانًا منتجات مهربة أو فاسدة أو منتهية الصلاحية، في غياب شبه تام للمساءلة.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع تشتت المسؤوليات بين مؤسسات متعددة تتقاسم مهام المراقبة، ما يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى تبادل الاتهامات بدل توحيد الجهود. في هذا الإطار، يقارن الخراطي الوضع المغربي بتجارب دولية تعتمد هيئة وطنية موحدة لحماية المستهلك، تمتلك صلاحيات الزجر الفوري والتدخل السريع، وهو ما يضمن وضوح المسؤوليات وفعالية القرارات.
أما في المغرب، فإن الاعتماد على “اللجان المشتركة” الخاضعة لوصاية وزارة الداخلية، رغم دورها السابق، أصبح أقل نجاعة، خاصة مع تسريب أخبار المراقبة قبل وصولها إلى الأسواق، ما يحول التدخل إلى إجراء شكلي.
في المقابل، يعكس موقف لحسن آيت علي، رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك، مقاربة أكثر تفاؤلًا تجاه التدابير الحكومية، إذ يثمّن الاجتماعات التنسيقية للجنة الوزارية المشتركة لليقظة وتتبع التموين والأسعار، معتبرا أنها مؤشر على حرص الدولة على توفير المواد الأساسية بكميات كافية وبأسعار معقولة قبل رمضان. غير أن هذا التقييم الإيجابي، وإن كان يعترف بأهمية التنسيق، لا يلغي السؤال الأعمق حول
استدامة هذه الجهود بعد انتهاء الموسم.
بين هذين الموقفين، تتضح المقارنة الأساسية: حكومة تراهن على اليقظة الظرفية لضبط التوازن خلال لحظة حساسة، وفاعلون مدنيون يدعون إلى إصلاح هيكلي يقطع مع منطق الاستثناء الموسمي. والنتيجة أن حماية القدرة الشرائية وسلامة المستهلك تظل رهينة الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة دائمة، تجعل من رمضان اختبارًا للجاهزية، لا مناسبةً لكشف الأعطاب المتكررة.





