
خلافة أخنوش بلا مرشحين: صمت الترشيحات يربك “الأحرار” ويكشف كواليس الانتظار السياسي
الرباط: إدريس بنمسعود
فتح حزب التجمع الوطني للأحرار باب الترشيح لخلافة عزيز أخنوش في ظرفية تنظيمية دقيقة، لكن ما يلفت الانتباه، إلى حدود كتابة هذه السطور، هو غياب أي ترشيح رسمي لرئاسة الحزب، رغم اقتراب المؤتمر الاستثنائي المقرر عقده يوم 7 فبراير 2026 بمدينة الجديدة. هذا الصمت لا يمكن قراءته كمعطى تقني عابر، بقدر ما يعكس وضعًا سياسيًا مركبًا داخل حزب يقود الحكومة، ويجد نفسه أمام لحظة انتقال قيادي غير محسومة المعالم.
قرار أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة وضع الحزب أمام اختبار حقيقي، ليس فقط على مستوى اختيار اسم جديد، بل على مستوى القدرة على تدبير الانتقال بسلاسة دون إرباك التوازنات الداخلية أو التأثير على تماسك الأغلبية الحكومية. ورغم الإعلان الرسمي عن فتح باب الترشيحات من 12 إلى 31 يناير، فإن غياب المتقدمين يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة القرار داخل الحزب: هل يتعلق الأمر بندرة القيادات الجاهزة؟ أم بوجود توافق غير معلن على اسم بعينه لم يُكشف عنه بعد؟
تداول بعض الأسماء في الكواليس، مثل الطالبي العلمي، أو نادية فتاح، مولاي حفيظ العلمي، وأجار يعكس وجود نخبة قيادية قادرة نظريًا على تولي المسؤولية، غير أن هذا التداول ظل في حدود التكهنات الإعلامية والسياسية، دون أن يتحول إلى مبادرات ترشيح فعلية. هذا التردد قد يُفسَّر برغبة هذه الأسماء في تفادي مواجهة داخلية غير مضمونة النتائج، أو انتظار إشارة واضحة من مراكز القرار داخل الحزب.
أما اسم محمد أوجار…، الذي يُتداول بدوره كمرشح محتمل، فيبدو أكثر تعقيدًا. فالرجل، حسب ما يُروج، لا يسعى علنًا إلى الخلافة، لكنه لا يخفي
رغبته فيها إن توفرت “الضوء الأخضر”.
هذا المعطى يكشف منطقًا سياسيًا راسخًا داخل الحزب، حيث لا يكفي توفر الطموح أو الكفاءة، بل يبقى عنصر التزكية والتوافق المسبق محددًا حاسمًا في الحسم.
في هذا السياق، تبرز فرضية وجود “مرشح جاهز” يتم الاحتفاظ به إلى ما بعد نهاية كأس إفريقيا، تفاديًا لتشويش سياسي أو إعلامي غير مرغوب فيه. فارتباط النقاش الحزبي بظرفية رياضية ووطنية جامعة قد يكون دافعًا لتأجيل الإعلان عن الاسم المتوافق عليه، في انتظار لحظة أكثر ملاءمة لإخراجه إلى العلن.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا الصمت عن رغبة الحزب في الحفاظ على صورة الاستقرار الحكومي. فالبلاغ الصادر عن المكتب السياسي، والذي أكد فيه مواصلة مساندة أخنوش رئيسًا للحكومة إلى غاية نهاية الولاية الدستورية، يوحي بأن معركة الخلافة الحزبية يجب ألا تتحول إلى مصدر ارتباك سياسي أو صراع أجنحة ينعكس سلبًا على الأداء الحكومي.
لكن، في المقابل، يظل هذا الغموض سيفًا ذا حدين. فكلما طال أمد الصمت، تعززت الانطباعات بوجود أزمة قيادة مؤجلة، أو بغياب نقاش ديمقراطي داخلي حقيقي حول مستقبل الحزب. كما أن حصر القرار في دائرة ضيقة، إن صحّ، قد يضعف صورة الحزب كتنظيم منفتح على التنافس والاختيار الحر.
في المحصلة، يبدو حزب التجمع الوطني للأحرار أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: إما خروج مرشح توافقي في اللحظات الأخيرة، بدعم واضح من القيادة الحالية؛ أو تعدد ترشيحات مفاجئ قبيل إغلاق الآجال، بما يحول المؤتمر إلى ساحة تنافس فعلي؛ أو استمرار منطق التأجيل والغموض إلى غاية المؤتمر نفسه، مع ما يحمله ذلك من رسائل سياسية متناقضة.
وفي خضم هذا الغموض التنظيمي، يطفو سؤال سياسي أوسع على السطح: هل سينجح حزب التجمع الوطني للأحرار في الحفاظ على رئاسة الحكومة خلال الاستحقاقات المقبلة، أم أن مرحلة ما بعد أخنوش قد تفتح الباب أمام إعادة توزيع موازين القوة داخل المشهد الحزبي؟ فالتردد في الحسم القيادي داخل الحزب قد لا تكون له انعكاسات داخلية فقط، بل قد يؤثر أيضًا على موقعه التفاوضي مستقبلاً.
وفي المقابل، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة كفاعل يترقب اللحظة المناسبة، حيث يترقب الجميع انعقاد مجلسه الوطني في نهاية الشهر الجاري، والذي يُنتظر أن يشكل محطة مفصلية في تحديد دفة القيادة الجديدة، وما قد يترتب عنها من إشارات سياسية قوية حول ملامح التشكيلة الحكومية المقبلة. وبين حزب يقود الحكومة ويعيش انتقالًا مؤجلًا، وآخر يستعد لإعادة ترتيب بيته الداخلي، تبقى رئاسة الحكومة المقبلة مفتوحة على كل السيناريوهات.





