
مالية 2026 بين التفاؤل المحسوب واختبار الاستدامة: هل يترجم الأداء القياسي إلى نمو شامل؟
الرباط: إستثمار
يأتي قانون المالية لسنة 2026 في لحظة اقتصادية توصف بالاستثنائية، حيث تتقاطع مؤشرات ماكرو-اقتصادية إيجابية مع آفاق نمو تبدو، ظاهريًا، مطمئنة مقارنة بسنوات اتسمت بالضغط والتقلب. فحسب مركز التجاري للأبحاث، فإن الاقتصاد الوطني أنهى سنة 2025 بأداء لافت، مع نمو متوقع في حدود 5 في المائة، مدفوعًا بتعافي قطاعات استراتيجية كالفلاحة والصناعة والسياحة والطاقة، وهو ما يمنح مشروع مالية 2026 قاعدة انطلاق مريحة نسبيًا، وإن كانت لا تخلو من رهانات خفية.
المقارنة بين سياق 2025 وفرضيات 2026 تكشف انتقالًا من نمو قوي مدعوم بعوامل ظرفية مواتية، إلى نمو أكثر تحفظًا تراهن فيه الحكومة على الاستمرارية بدل القفزات. ففي الوقت الذي استفاد فيه الاقتصاد من تحسن الموارد المائية وبلوغ نسبة ملء السدود 42,5 في المائة، وارتفاع معدل استغلال المصانع إلى 79 في المائة، إلى جانب انتعاش السياحة بأزيد من 19,8 مليون وافد، وانخفاض أسعار النفط إلى أقل من 60 دولارًا للبرميل، يبني قانون المالية 2026 فرضياته على نمو أهدأ في حدود 4,6 في المائة، ما يعكس حذرًا في التقدير أكثر منه تشاؤمًا.
وعلى مستوى المالية العمومية، يبرز الفرق بوضوح بين منطق تدبير التوازنات ومنطق توسيع هوامش الفعل. فاستمرار ارتفاع المداخيل العادية بمعدل سنوي يقارب 30 مليار درهم خلال السنوات الأخيرة، وانخفاض كلفة المقاصة إلى حوالي 1 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، سمحا بتقليص العجز وتخفيف مديونية الخزينة، في وقت استقر فيه التضخم عند مستوى منخفض بلغ 0,8 في المائة. غير أن مشروع 2026 يذهب أبعد، بتوقع ارتفاع المداخيل العادية إلى 433 مليار درهم، مدفوعة بإصلاحات جبائية أعمق وتقليص الإعفاءات وتعزيز التحصيل، مقابل تراجع نسبي في المداخيل غير الجبائية، ما يطرح مقارنة بين إيرادات ظرفية سابقة ورهان جديد على موارد أكثر استدامة.
في المقابل، تعكس بنية النفقات استمرار الاختيارات الكبرى نفسها مع تعديل في الأولويات. فارتفاع كتلة الأجور إلى 195 مليار درهم يعكس كلفة اجتماعية وإدارية متنامية، بينما يشير تراجع نفقات المقاصة إلى 14 مليار درهم، أي 0,8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، إلى نجاح نسبي في التحكم في الدعم بفضل استقرار أسعار الطاقة. أما الاستثمار العمومي، الذي يرتقب أن يبلغ 380 مليار درهم، فيظل الرهان المركزي لتحفيز النمو، مقارنة بالسنوات السابقة، مع توسيع حجم المشاريع الهيكلية والتركيز الجهوي الواضح على محاور اقتصادية كبرى.
وعند مقارنة محركات النمو، يتبين أن قانون المالية 2026 يراهن بشكل أكبر على إجمالي تكوين الرأسمال الثابت، المتوقع أن يرتفع بـ6,6 في المائة، مدعومًا بالاستثمارات الأجنبية المباشرة وقروض التجهيز، مقابل دور أقل نسبيًا للاستهلاك، وإن ظل استهلاك الأسر عنصر توازن أساسي بنمو متوقع في حدود 3,7 في المائة، مدعومًا بتضخم معتدل وتحسن تحويلات مغاربة العالم. هذه المقارنة تكشف تحولًا تدريجيًا من نمو قائم على الطلب إلى نمو يقوده الاستثمار.
أما على المستوى الخارجي، فتبدو فرضيات 2026 أكثر تحفظًا مقارنة بسنة الاستفادة من ظروف دولية مواتية، إذ يُفترض سعر نفط في حدود 65 دولارًا للبرميل، ونمو محدود للطلب الخارجي بنسبة 2,3 في المائة، ما يعني أن الرهان الحقيقي سيكون داخليًا بالأساس، مع الاستفادة من تحسن نسبي لدى الشركاء التجاريين، خاصة فرنسا وإسبانيا.
في المحصلة، يعكس قانون المالية 2026 توازنًا دقيقًا بين التفاؤل المستند إلى أرقام قوية، والحذر المفروض بسياق دولي متقلب. فالمقارنة بين أداء 2025 وفرضيات 2026 توحي بأن التحدي لم يعد في تحقيق النمو، بل في ضمان استدامته وتوزيع ثماره مجاليًا واجتماعيًا، حتى لا يتحول الزخم الإيجابي إلى مجرد محطة رقمية، بدل أن يكون مسارًا تنمويًا طويل النفس.





