
صناديق الاستثمار المغربية تتجاوز 800 مليار درهم وتكشف تحوّلًا لافتًا في سلوك المستثمرين
الرباط: ريم بنكرة
عادت صناديق الاستثمار الجماعية في القيم المنقولة إلى واجهة المشهد المالي المغربي، بعدما نجحت في استعادة عتبة 800 مليار درهم، في تطور يحمل أكثر من دلالة اقتصادية ومالية. فبلوغ صافي الأصول تحت الإدارة مستوى 801,26 مليار درهم بتاريخ 9 يناير، بارتفاع أسبوعي قوي ناهز 8,55 في المائة، لا يعكس فقط انتعاشًا تقنيًا في الأرقام، بل يكشف أيضًا عن تحوّل مقارن في اختيارات المستثمرين بين فئات الصناديق المختلفة، في سياق يتسم بالحذر والترقب.
بالمقارنة مع الفترات السابقة التي كان فيها النمو مدفوعًا أساسًا بصناديق السندات متوسطة وطويلة الأجل، يتضح أن هذه الفئة ما زالت تحتفظ بدورها المركزي، إذ استحوذت على أصول تناهز 365,83 مليار درهم،
مسجلة نموًا محدودًا نسبيًا بنسبة 2,24 في المائة. هذا الأداء المستقر يعكس استمرار ثقة المستثمرين في الأدوات الأقل مخاطرة على المدى المتوسط، لكنه في الآن ذاته يظهر تراجعًا نسبيًا في وتيرة الإقبال مقارنة بأنواع أخرى من الصناديق.
اللافت في هذه المرحلة هو القفزة الاستثنائية التي سجلتها صناديق السندات قصيرة الأجل، والتي تجاوز نموها الأسبوعي 29 في المائة، لترتفع أصولها من 98,22 مليار إلى 127,55 مليار درهم. هذا التحول المقارن يوحي بعودة قوية لمنطق التحوّط والسيولة السريعة، في ظل سياق مالي يتسم بعدم اليقين، حيث يفضل عدد متزايد من المستثمرين أدوات قصيرة الأجل تسمح بإعادة التموضع بسرعة وتقلل من مخاطر تقلبات السوق.
وتتقاطع هذه الدينامية مع الأداء اللافت للصناديق النقدية، التي ارتفعت أصولها إلى 107,94 مليار درهم مقابل 89,82 مليار درهم قبل أسبوع واحد فقط. هذا التقدم يعكس بدوره ميلاً متزايدًا نحو الملاذات الآمنة، ويؤشر على أن جزءًا مهمًا من السيولة الجديدة لا يبحث بالضرورة عن عائد مرتفع، بقدر ما يسعى إلى الحفاظ على القيمة في انتظار وضوح أكبر في الرؤية الاقتصادية.
في المقابل، ورغم طغيان منطق الحذر، لم تكن صناديق الأسهم خارج هذا المسار التصاعدي، إذ سجلت أصولًا في حدود 82,36 مليار درهم، بزيادة تفوق 2,28 في المائة. هذا الارتفاع، وإن كان محدودًا مقارنة بالصناديق السندية والنقدية، يعكس استمرار رهان شريحة من المستثمرين على تحسن الأسواق المالية على المدى المتوسط، في مقارنة واضحة مع مراحل سابقة شهدت تراجعًا في شهية المخاطرة.
أما الصناديق المتنوعة، التي تجمع بين الأسهم والسندات والأدوات النقدية، فقد واصلت بدورها تسجيل أداء إيجابي، بأصول بلغت 107,30 مليار درهم، محققة نموًا بنسبة 3,25 في المائة. ويعكس هذا المعطى توجهًا مقارنًا نحو استراتيجيات التوازن وتنويع المخاطر، في ظل بيئة مالية غير مستقرة بشكل كامل.
في المحصلة لا يعبّر تجاوز صناديق الاستثمار الجماعية لحاجز 800 مليار درهم عن انتعاش ظرفي فحسب، بل يكشف، من خلال المقارنة بين مكونات هذا النمو، عن إعادة رسم لخريطة تفضيلات المستثمرين بالمغرب. فبين البحث عن الأمان، والحفاظ على السيولة، والرهان الحذر على العائد، تتشكل مرحلة جديدة يتقدم فيها منطق المرونة والتحوّط على حساب المخاطرة المفتوحة، في انتظار ما ستسفر عنه التحولات الاقتصادية والمالية القادمة.





