العدالة المجالية على طاولة المهندس المغربي: شراكة العام والخاص في اختبار التنمية الترابية

الرباط: نارمان بنمسعود

في ظل توجيهات ملكية واضحة، وتحت شعار يجسد نقلة نوعية في التفكير التنموي، يُحتفل باليوم الوطني الأربعين للمهندس المعماري. لا يمثل الحدث مجرد مناسبة احتفائية تقليدية، بل يأتي كتتويج مسار ومنطلق رؤية جديدة، مركزاً على الدينامية بين القطاعين العام والخاص كقلب نابض لتحقيق تنمية ترابية مستدامة. ينطلق هذا التصور من سياق وطني حافل، يتميز بتسارع وثيرة المشاريع التنموية الكبرى والالتزام الجاد بمحو الفوارق المجالية والاجتماعية، في انسجام تام مع مقتضيات النموذج التنموي الجديد الذي يضع معالجة التباينات الإقليمية في صلب أولوياته.

إن الجوهر التحليلي لهذا الحدث يكمن في محاولته تفكيك الثنائية التقليدية بين المعماري الموظف في الإدارة والمعماري الممارس بالقطاع الخاص، وتحويلها إلى تكامل عضوي. فالمهندس المعماري في القطاع العام يُقدم هنا بصفته فاعلاً استراتيجياً في التخطيط الشمولي والتشريع وضمان اللامركزية في الخبرة. بينما يبرز نظيره في القطاع الخاص كفاعل ميداني ديناميكي، ضامن للجودة المعمارية والامتثال للمعايير ومواكبة المواطن مباشرة. هذا التقاطع ليس ترفاً فكرياً، بل هو استجابة عملية لضرورات المرحلة، حيث تتطلب التنمية المتوازنة التي دعا إليها خطاب العرش في يوليوز 2025، تجاوز الأساليب الكلاسيكية لصالح رؤية إقليمية متكاملة، تعتمد على تجميع كل الخبرات تحت مظلة المصلحة الوطنية العليا.

لذلك، يتحول اليوم الوطني من مجرد منتدى للنقاش إلى فضاء عمل ميداني ملموس، من خلال مبادرات كـ “الأيام المفتوحة” والورشات والزيارات، لا سيما في المناطق القروية والناشئة. هذا المنحى يعكس إرادة حقيقية لتعزيز القرب من المواطن، وتقديم الاستشارة له، والتحسيس بأهمية الامتثال القانوني لضمان السلامة وتحسين الفضاء المعيشي. إنه تأكيد عملي على أن الهندسة المعمارية ليست حكراً على المشاريع الضخمة في المراكز الحضرية الكبرى، بل هي أداة هيكلية للتنمية في كل ربوع المملكة، وعنصر أساسي في بناء مشروع مجتمعي قائم على التوازن والاستدامة والمساواة المجالية.

وهكذا، فإن هذا الاحتفاء يضع مهنة الهندسة المعمارية في موقع المسؤولية التاريخية، حيث يصبح المهندس المعماري، أياً كان مجال ممارسته، فاعلاً محورياً في ترجمة السياسات العمومية الكبرى إلى واقع ملموس، وفي تشكيل الفضاءات التي تحفظ كرامة المواطن وتعزز انتماءه. إنها دعوة جماعية لوضع الخبرة المعمارية في قلب صناعة القرار التنموي، مؤمنين بأن التنمية الترابية المستدامة ليست مسألة إدارية أو تقنية بحتة، بل هي في جوهرها مشروع معماري وإنساني متكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى